قراءة تحليلية السعودية من محاربة النهضة إلى هندسة الفوضى في قلب العالم العربي.

دراسات وتحليلات - 1 month ago

خاص||عين الجنوب     

في قراءةٍ نقدية لمسار السياسة الإقليمية العربية خلال العقود الماضية، يبرز دور آل سعود بوصفه أحد أكثر الأدوار إثارةً للجدل، لا من حيث النفوذ المالي فقط، بل من حيث التأثير العميق على مسار الأنظمة العربية ذات الطابع الجمهوري، وعلى مصير المشاريع النهضوية التي حملها قادة شكّلوا في مراحل معينة رمزًا لطموح الأمة واستقلال قرارها.
منذ نشأة الدولة السعودية الحديثة، ارتبط حضورها الإقليمي بتحالفات خارجية ثابتة، قامت على تبادل المصالح مع القوى الكبرى، وهو ما انعكس على طبيعة سياساتها تجاه محيطها العربي. ووفق كثير من القراءات السياسية، لم يكن هذا المسار بريئًا أو محايدًا، بل اتسم بعداء واضح لأي مشروع عربي يسعى لبناء دولة قوية مستقلة سياسيًا واقتصاديًا، خارج مظلة النفوذ الغربي.
شهد العالم العربي، خصوصًا في النصف الثاني من القرن العشرين، بروز أنظمة جمهورية حملت مشاريع قومية وتنموية، ورفعت شعارات التحرر والسيادة وبناء الدولة الوطنية. غير أن هذه التجارب تعرضت لضغوط متواصلة، وحملات سياسية وإعلامية واقتصادية، كان المال النفطي أحد أبرز أدواتها. ويُحمّل آل سعود مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة في محاصرة تلك الأنظمة، وإضعاف قادتها، وتهيئة البيئة لإسقاطهم أو تشويه تجاربهم.
ومع مطلع العقد الثاني من الألفية، جاء ما عُرف بـ”الربيع العربي”، الذي قُدّم بوصفه موجة تغيير شعبي تهدف إلى الحرية والعدالة. إلا أن مساره في عدد من الدول انحرف سريعًا، وتحول إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية. هنا تتجدد الاتهامات للدور السعودي–القطري، من خلال التمويل السياسي والإعلامي، ودعم مسارات محددة داخل هذه الأحداث، ليس من أجل بناء بديل وطني مستقر، بل لإسقاط أنظمة جمهورية بعينها، كانت تشكّل عقبة أمام مشاريع الهيمنة الإقليمية.
النتائج كانت كارثية على مستوى الدولة والمجتمع والاقتصاد، فيما غابت أي مؤشرات حقيقية على تحقيق ديمقراطية أو نهضة أو استقلال قرار. وفي المقابل، ظلت الأنظمة الملكية بمنأى عن هذه العواصف، محصّنة بتحالفاتها الدولية وثرواتها المالية، ما عزز القناعة بأن ما جرى لم يكن حراكًا عفويًا خالصًا، بل عملية توظيف سياسي ممنهج.
إن توصيف هذا المسار بوصفه تاريخًا من استهداف النهضة العربية لا يستند فقط إلى خطاب سياسي، بل إلى حصيلة واقعية لما آلت إليه أوضاع الدول التي كانت تمتلك مشاريع دولة وجيش واقتصاد. فبدل أن تشهد الأمة مرحلة صعود، وجدت نفسها أمام تراجع شامل، وتكريس للتبعية، وإفراغ فكرة السيادة من مضمونها.
ويبقى السؤال الجوهري: كيف يمكن للعرب أن يستعيدوا مشروعهم النهضوي في ظل أنظمة استخدمت المال والنفوذ لا لحماية الاستقرار العربي، بل لتوجيه مساراته بما يخدم مصالح ضيقة؟ الإجابة تبدأ بقراءة صريحة للتاريخ، ومساءلة الأدوار، وكسر الصمت عن السياسات التي أوصلت الأمة إلى هذا المنعطف الحرج.