حوار تحت الاحتجاز والقيود… حين تُدار القضية الجنوبية من غرف الضغط لا من إرادة الشعب

السياسة - منذ 21 ساعة

عين الجنوب | خاص .   
يعود الحديث عن مؤتمر الرياض للحوار الجنوبي في سياق أكثر تعقيدًا وإثارة للقلق، بعدما ترافقت الدعوة إليه مع ممارسات لا يمكن فصلها عن مضمونه السياسي، وفي مقدمتها ما تردد عن احتجاز الوفد الجنوبي، وتجريده من حريته في الحركة والقرار، وممارسة ضغوط مباشرة عليه. وهي مؤشرات خطيرة لا تبشّر بحوار جاد، بقدر ما تكشف عن مسار منقوص يقوم على الإملاءات وفرض النفوذ، لا على التوافق والاحترام المتبادل.
فالحوار، في جوهره، لا يمكن أن يولد صحيحًا وهو محاط بأدوات الضغط والإكراه. وعندما يُستدعى طرفٌ إلى طاولة الحوار تحت القيود السياسية والمعنوية، فإن النتيجة تكون محسومة سلفًا: حوار شكلي، ومخرجات لا تعبّر عن الإرادة الحقيقية لمن يُفترض أنهم يمثلون شعبًا قدّم آلاف الشهداء دفاعًا عن قضيته وحقه المشروع في استعادة أرضه وبسط سيادته على موارده.
لقد راكم الجنوب، عبر سنوات طويلة من النضال، وعيًا سياسيًا عميقًا جعله أكثر حساسية تجاه محاولات الالتفاف على قضيته. لذلك فإن أي مؤتمر لا ينطلق من الاعتراف الصريح بالقضية الجنوبية كقضية شعب وأرض ودولة، ولا يراعي تضحيات الجنوبيين، سيُنظر إليه باعتباره أداة لإدارة الأزمة لا حلّها، ومحاولة لإعادة إنتاج واقع مرفوض شعبيًا.
وتتفاقم الإشكالية حين يترافق ذلك مع تغييب مبدأ التمثيل العادل. فالقضية الجنوبية ليست ملفًا يمكن اختزاله في أسماء أو وفود تُفرض من الخارج، ولا في صيغ انتقائية تستبعد أطرافًا فاعلة على الأرض. التمثيل العادل، الذي يراعي كل المكونات الحقيقية ويعكس الوزن الشعبي والسياسي لكل طرف، هو شرط أساسي لأي حوار يُراد له أن يكون ذا مصداقية. أما تجاوز هذا المبدأ، فهو تكريس لحوار أعور، لا يرى إلا ما يُراد له أن يراه.
كما أن الضغط على الوفد الجنوبي، ومحاولة دفعه للقبول بسقوف سياسية محددة سلفًا، يعكس توجهًا لفرض حلول جاهزة لا تلامس جوهر القضية. فالمسألة ليست في إعادة تدوير مشاريع أثبتت فشلها، ولا في فرض صيغ لا تحظى بقبول الشارع، بل في الوصول إلى حل عادل يعترف بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم، وإدارة شؤونهم، والسيطرة على ثرواتهم بما يخدم إنسان الجنوب أولًا.
إن ما يجري يبعث برسالة سلبية مفادها أن الحوار المطلوب ليس حوار شراكة، بل حوار إخضاع. وهذا النوع من الحوارات، مهما أُحيط بعناوين براقة أو غطاء دبلوماسي، لن يكتب له النجاح، لأنه يتجاهل الحقيقة الأهم: أن الجنوب لم يعد ساحة صامتة، وأن شعبه بات قادرًا على التمييز بين الحوار الذي يحترم إرادته، وذلك الذي يُراد به تقييدها.
في الخلاصة، فإن احتجاز الوفد الجنوبي، والضغط عليه، وفرض مسار حواري مشروط، ليست مبشرات سلام ولا مؤشرات حسن نية، بل دلائل على حوار منقوص يفتقر للعدالة والندية. وأي حل لا يقوم على تمثيل عادل، ولا يضع معالجة حقيقية ومنصفة للقضية الجنوبية، سيظل حلًا هشًا، معلقًا في الهواء، ومعزولًا عن نبض الشارع الجنوبي الذي حسم خياره منذ زمن.

فيديو