إسقاط الوصاية وإعادة القرار من غرف الرياض في مواجهة ساحات الإرادة الشعبية الجنوبية

تقارير - منذ 17 ساعة

عين الجنوب|| خاص:
جاء البيان الصادر عن الاجتماع الاستثنائي الطارئ للجمعية الوطنية ومجلس المستشارين والأمانة العامة للمجلس الانتقالي الجنوبي كحدث سياسي ثقيل الدلالة، في لحظة تتكثف فيها الضغوط وتتصادم فيها المشاريع، ليشكّل نقطة فاصلة بين مرحلتين: مرحلة إدارة القضية الجنوبية من خارجها، ومرحلة استعادة القرار الجنوبي من مصادرته القسرية. لم يكن البيان ردًّا عابرًا على إعلان منسوب زورًا لما سُمّي «حل المجلس الانتقالي الجنوبي»، بل كان إعلان كسر واضح لمنطق الوصاية، وتثبيتًا لمعادلة الشرعية الشعبية في مواجهة الإكراه السياسي.
منذ بدايته، يتعامل البيان مع ما جرى بوصفه اعتداءً مباشرًا على كيان سياسي مفوّض بإرادة شعبية، لا مجرد إجراء إداري أو خلاف شكلي. فهو ينزع الشرعية القانونية والسياسية عن أي إعلان صدر تحت الضغط، ويؤكد بوضوح أن الجهة التي روّجت لفكرة الحل لا تملك أي ولاية أو صلاحية، وأن ما حدث يمثل تجاوزًا فجًّا للتفويض المحدد لوفد تفاوضي لا يحق له المساس بوجود المجلس أو كيانه. بهذا الطرح، لا يدافع البيان عن المجلس فحسب، بل يغلق الطريق أمام أي محاولة مستقبلية لإضفاء شرعية على مخرجات انتُزعت بالإكراه.
ويتقدم البيان خطوة أخطر حين يربط الإعلان المزعوم بحالة احتجاز قسري شملت مصادرة الوثائق ووسائل التواصل ومنع القيادات من الحركة والتعبير الحر. هنا تتحول القضية من خلاف سياسي إلى انتهاك صريح للقانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان، ويجري إسقاط صفة الحياد عن أي طرف يدّعي الرعاية أو الوساطة، ليُعاد تعريفه بوصفه طرفًا منخرطًا في النزاع. هذه اللغة ليست تصعيدًا لغويًا بقدر ما هي تمهيد سياسي وقانوني لوضع القضية أمام المجتمع الدولي بصورتها الحقيقية.
وفي مواجهة محاولات الإلغاء والتطويع، يعيد البيان تثبيت الأساس الذي قام عليه المجلس الانتقالي الجنوبي: الشرعية الشعبية المستمدة من إعلان عدن التاريخي في مايو 2017، ومن مسيرة نضالية طويلة دفع شعب الجنوب ثمنها دمًا وتضحيات. يستحضر البيان الشهداء بوصفهم بوصلة لا تحيد، ويؤكد أن القضية الجنوبية ليست طارئة ولا قابلة للمساومة، وأن أي مسار سياسي يتجاهل هذه الحقيقة محكوم عليه بالسقوط، مهما حظي بدعم أو غطاء خارجي.
كما يكشف البيان عن تحوّل واضح في نبرة الخطاب، إذ ينتقل من موقع الدفاع إلى تحميل المسؤولية المباشرة، حين يتهم المملكة العربية السعودية بالانحراف عن دورها المعلن كراعٍ للحوار الجنوبي–الجنوبي، والتخلي عن مبدأ الحياد لصالح أجندات القوى اليمنية التقليدية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان. هذا الاتهام الصريح يعكس نهاية مرحلة المجاملات السياسية، وبداية مرحلة تسمية الأشياء بأسمائها، وتحميل الأطراف مسؤولية ما قد يترتب على سياساتها من تداعيات خطيرة على الاستقرار ومسار السلام.
ورغم حدّة الموقف، لا يغلق البيان باب الحوار، لكنه يعيد رسم شروطه بوضوح. فالحوار، كما يؤكد، لا يمكن أن يكون جادًا أو منتجًا في بيئة غير آمنة أو تحت التهديد والابتزاز. ومن هنا تأتي الدعوة إلى نقل أي مسار حواري قادم إلى العاصمة عدن أو إلى دولة محايدة، وبرعاية دولية تضمن النزاهة والحياد. إنها رسالة تقول إن الحوار خيار استراتيجي لا رجعة عنه، لكن الوصاية مرفوضة، وأن أي تسوية تُفرض بالقوة ستولد ميتة سياسيًا.
الرهان الأبرز في البيان يظل معقودًا على الشارع الجنوبي، الذي يُقدَّم بوصفه المرجعية النهائية وصاحب الكلمة الفصل. فالدعوة إلى الحشد والمشاركة الواسعة في الفعاليات السلمية، وفي مقدمتها مظاهرة اليوم، تعني عمليًا نقل مركز الثقل من غرف التفاوض المحتجزة إلى ساحات الإرادة الشعبية، وإعادة الاعتبار للجماهير كفاعل حاسم لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه.
وفي رسائله للداخل، يحرص البيان على تأكيد تماسك المجلس واستمرار عمل مؤسساته دون انقطاع، وأن أي قرارات مصيرية لا تُتخذ إلا عبر أطره الدستورية وبرئاسة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي. كما يطلق تحذيرًا واضحًا من أي محاولات للتضييق على الأنشطة السياسية والفعاليات السلمية، معتبرًا ذلك تصعيدًا خطيرًا تتحمل الجهات القائمة به كامل المسؤولية.
في المحصلة، لا يمكن قراءة هذا البيان إلا بوصفه وثيقة مواجهة سياسية شاملة، أعادت تعريف الشرعية، وأسقطت الوصاية، ورفعت سقف الخطاب إلى مستوى اللحظة التاريخية. هو بيان يقول بوضوح إن المجلس الانتقالي الجنوبي لم يكن طارئًا، ولن يكون عابرًا، وإن التفويض الشعبي يتجدد اليوم بقوة الشارع، حتى تحقيق الهدف الوطني الأسمى: استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة بإرادة شعبها الحرة.

فيديو