ثروات الجنوب تغذي الشمال ومأرب في موقع المتفرج!

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص:
في مشهد معقد تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، والواقع بالاتهامات، تتصاعد في الأوساط الشعبية والإعلامية تساؤلات حادة حول مصير الثروات النفطية والغازية، وحول الجهة التي تتحمل فعليًا عبء تمويل الرواتب في الشمال وبينما يرى البعض أن ثروات الجنوب تُستنزف لصالح مناطق أخرى، تبرز في المقابل روايات مختلفة تعكس حجم التشظي الذي تعيشه البلاد منذ سنوات الحرب والانقسام.
منذ اندلاع الصراع، لم يعد الاقتصاد كيانًا موحدًا، بل انقسم فعليًا إلى مراكز قوى مالية متعددة، لكل منها أدواتها ومصادرها. في العاصمة عدن، حيث يتخذ البنك المركزي مقرًا له، تواجه الحكومة تحديات هائلة في تأمين الموارد اللازمة لصرف الرواتب، خصوصًا في ظل تراجع الإيرادات العامة وتذبذب تصدير النفط.
في المقابل، تشير تقارير إلى أن محافظات غنية بالنفط مثل مأرب تدار ماليًا بشكل شبه مستقل، حيث يتم استخدام عائداتها لتغطية النفقات المحلية، بما في ذلك الرواتب والخدمات، مع غياب واضح لتحويلات منتظمة إلى البنك المركزي. هذا الوضع خلق فجوة كبيرة في الموارد بين المناطق، وزاد من حدة الاتهامات المتبادلة حول “من يمول من”.
أما في محافظات الجنوب، مثل حضرموت وشبوة، حيث تتركز أهم الحقول النفطية، فإن الإنتاج شهد تراجعًا كبيرًا نتيجة التوترات الأمنية واستهداف منشآت التصدير، ما أدى إلى تقليص أحد أهم مصادر الدخل القومي. ورغم ذلك، لا تزال هذه المحافظات في صلب الجدل، حيث يعتبرها البعض المصدر الرئيسي للثروة التي يتم تقاسمها أو استنزافها.
الرواية التي تتحدث عن أن “رواتب كل الشماليين في الداخل والخارج تُدفع من ثروات الجنوب” تعكس شعورًا واسعًا بالظلم لدى فئات من الشارع، لكنها في الواقع تبسيط مخلّ لمعادلة اقتصادية شديدة التعقيد. فصرف الرواتب في مناطق سيطرة ألحوثيين على سبيل المثال، يعتمد في جزء كبير منه على الإيرادات المحلية مثل الضرائب والجمارك، إضافة إلى موارد أخرى غير واضحة بالكامل، في ظل غياب الشفافية المالية.
وفي ظل هذا الانقسام، أصبح المواطن – شمالًا وجنوبًا – هو الخاسر الأكبر. موظفون بلا رواتب منتظمة، وخدمات منهارة، واقتصاد يترنح بين سلطات متعددة، كل منها تدير مواردها بمعزل عن الأخرى. ومع غياب رؤية اقتصادية وطنية موحدة، تتحول الثروات من عامل استقرار إلى سبب إضافي للصراع.
الواقع اليوم يكشف أن المشكلة ليست فقط في “من يملك الثروة”، بل في “كيف تُدار هذه الثروة”، ومن يملك القرار في توجيهها. فبدون شفافية، ومؤسسات موحدة، ورقابة حقيقية، ستظل الاتهامات المتبادلة تتكرر، وسيبقى المواطن أسير روايات متناقضة، لا يجد بينها ما يسد رمق يومه أو يضمن له راتبًا منتظمًا.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن إعادة توحيد المسار المالي للدولة، أم أن اقتصاد الانقسام أصبح واقعًا يصعب تجاوزه؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل الرواتب، بل مستقبل الوطن باكمله

فيديو