بين خرائط التشظي ومشاريع النفوذ.. هل يُعاد إنتاج الأزمة اليمنية على حساب الجنوب؟

دراسات وتحليلات - منذ 5 ساعات

عدن.عين الجنوب||خاص             


في الوقت الذي تتسارع فيه التحركات السياسية والعسكرية لإعادة ترتيب القوى اليمنية ضمن تكتلات موحدة، تتزايد في المقابل مؤشرات مقلقة على دفع الجنوب نحو مسارات أكثر تعقيدًا وتشظيًا، عبر إعادة فتح الملفات المناطقية وتوسيع دوائر الانقسام السياسي والجغرافي بطريقة تهدد مستقبل أي استقرار حقيقي في المنطقة.
وخلال الأشهر الأخيرة، برزت لقاءات ومشاورات سياسية تحمل في ظاهرها شعارات الحوار والتقارب، لكنها في العمق ـ ـ تعكس توجهًا مختلفًا يقوم على تفكيك المشهد الجنوبي إلى كيانات متفرقة، والتعامل مع كل محافظة أو مكون باعتباره ملفًا منفصلًا بعيدًا عن أي إطار سياسي جامع. ويرى هؤلاء أن هذا الأسلوب لا يعالج الأزمات بقدر ما يعيد إنتاجها بصورة أكثر تعقيدًا، خصوصًا في ظل غياب مشروع واضح يحدد شكل المرحلة المقبلة وآليات التمثيل السياسي العادل.
ويؤكد مراقبون أن أخطر ما في هذه التحركات ليس فقط تعدد اللقاءات، بل طبيعة المسار الذي تُدار به، حيث يجري ـ وفق توصيفهم ـ إعادة إحياء الهويات المناطقية الضيقة على حساب الهوية الجنوبية الجامعة، بما يفتح الباب أمام تنافسات داخلية وصراعات قد تتجاوز الخلافات السياسية إلى انقسامات اجتماعية وميدانية يصعب احتواؤها لاحقًا.
وفي المقابل، تبدو الصورة مختلفة تمامًا في الشمال اليمني، حيث تتواصل الجهود الرامية إلى توحيد القوى العسكرية والسياسية ضمن أطر أكثر تماسكًا، وهو ما يثير تساؤلات واسعة حول أسباب السعي إلى جمع القوى اليمنية في اتجاه واحد، بينما يُدفع الجنوب نحو مسارات متفرقة ومتباعدة. ويرى متابعون أن هذا التناقض لا يمكن فصله عن محاولات إعادة تشكيل موازين النفوذ القديمة التي استفادت طويلًا من بقاء الجنوب في حالة انقسام وضعف سياسي.
ويذهب محللون إلى أن بعض القوى الإقليمية والمحلية لا تنظر إلى الجنوب كشريك متكافئ في أي تسوية قادمة، بل كساحة نفوذ قابلة لإعادة التشكيل وفق المصالح السياسية والعسكرية، وهو ما يفسر ـ بحسب رأيهم ـ محاولات تفكيك التمثيل الجنوبي وإغراقه في نزاعات داخلية بدلاً من الدفع نحو صيغة حوار موحدة تعكس إرادة الشارع الجنوبي وتطلعاته.
كما يحذر مراقبون من أن أي تسوية سياسية تُبنى على اختلالات التمثيل أو على فرض واقع مجزأ لن تؤدي إلى سلام دائم، بل ستؤسس لدورات جديدة من التوتر وعدم الاستقرار، خصوصًا في ظل الشعور المتنامي لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين بأن قضيتهم تُدار بمنطق الاحتواء المؤقت لا بمنطق الحلول الجذرية.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز المجلس الانتقالي الجنوبي كأحد أبرز الفاعلين في المشهد، وسط محاولات متكررة لإضعافه أو تقليص حضوره السياسي. غير أن مراقبين يرون أن الضغوط المتزايدة عليه قد تؤدي إلى نتائج عكسية، عبر تعزيز الالتفاف الشعبي حوله باعتباره ـ بالنسبة لشريحة واسعة من الجنوبيين ـ الإطار السياسي الأكثر تعبيرًا عن الهوية الجنوبية ومطلب استعادة القرار السياسي.
ويرى متابعون أن استمرار إدارة الملف الجنوبي بعقلية التوازنات المؤقتة سيؤدي إلى تعميق الأزمة بدل احتوائها، مؤكدين أن أي مسار سياسي واقعي يحتاج إلى الاعتراف بحجم التحولات التي شهدها الجنوب خلال السنوات الماضية، والتعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية محورية لا مجرد ملف قابل للتجزئة أو الترحيل.
ومع استمرار التحركات الإقليمية والدولية لإعادة رسم المشهد اليمني، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا حاضرًا بقوة: هل تتجه المنطقة نحو بناء شراكة عادلة تعالج جذور الأزمة، أم أن ما يجري ليس سوى محاولة جديدة لإعادة تدوير الصراعات القديمة بصيغ مختلفة قد تفتح الباب أمام مرحلة أكثر اضطرابًا وتعقيدًا؟

فيديو