ما بعد التحرير.. قراءة في التحول السعودي تجاه قضية شعب الجنوب وتداعياته السياسية

تقارير - منذ 3 ساعات

عين الجنوب|| خاص                

منذ انطلاق عمليات التحالف العربي في اليمن، بدا الجنوب بالنسبة للمملكة العربية السعودية جزءًا أساسيًا من معادلة المواجهة مع جماعة الحوثي، وشريكًا ميدانيًا أثبت فاعلية كبيرة في تحرير المحافظات الجنوبية وتأمينها. وخلال سنوات الحرب الأولى، تشكل انطباع واسع لدى كثير من الجنوبيين بأن تضحياتهم العسكرية والسياسية ستقود إلى مرحلة جديدة من العلاقات مع الرياض قائمة على الاعتراف بالدور الجنوبي المتعاظم ومراعاة تطلعات شعب الجنوب السياسية. غير أن السنوات اللاحقة حملت مؤشرات مختلفة دفعت قطاعات واسعة من الشارع الجنوبي إلى الاعتقاد بأن النظرة السعودية تجاه الجنوب شهدت تحولًا ملحوظًا بعد إنجاز مهمة تحرير معظم الأراضي الجنوبية.
هذا التحول، وفق كثير من المراقبين، لا يمكن فهمه بعيدًا عن الحسابات الاستراتيجية التقليدية للمملكة. فالسعودية، كدولة إقليمية كبرى، تنظر إلى اليمن من زاوية الأمن القومي والاستقرار الحدودي قبل أي اعتبارات أخرى. ومن هذا المنطلق، فإن ظهور كيان جنوبي قوي يمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية متماسكة ويتمتع بقاعدة شعبية واسعة قد يُنظر إليه باعتباره متغيرًا استراتيجيًا يستدعي إعادة الحسابات، خصوصًا إذا اقترن ذلك بمطالب سياسية تتجاوز إطار الدولة اليمنية الموحدة التي ظلت لعقود تمثل الصيغة المفضلة لدى العديد من الأطراف الإقليمية والدولية.
ويرى منتقدو السياسة السعودية أن الرياض كانت بحاجة إلى القوى الجنوبية ما دامت المعركة العسكرية تتطلب شريكًا قادرًا على دحر الحوثيين وتأمين المحافظات المحررة، لكن المشهد اختلف بعد استقرار الوضع الأمني نسبيًا في الجنوب. فمع تراجع أولوية العمليات العسكرية المباشرة، برزت أولويات جديدة مرتبطة بإدارة التوازنات السياسية داخل اليمن، وهو ما انعكس في محاولات مستمرة للحفاظ على شبكة واسعة من القوى والتيارات المتباينة، بما في ذلك أطراف لا تحظى بقبول شعبي واسع في الجنوب.
ومن أبرز الانتقادات التي يوجهها كثير من الجنوبيين للسياسة السعودية أنها تعاملت مع الجنوب بوصفه ساحة لإدارة التوازنات اليمنية أكثر من كونه قضية سياسية لها خصوصيتها التاريخية. فبدلاً من البناء على الواقع الجديد الذي أفرزته سنوات الحرب والتضحيات، اتجهت الجهود في كثير من الأحيان نحو إعادة إنتاج شراكات وقوى فقدت تأثيرها على الأرض، الأمر الذي خلق حالة من التباعد بين المزاج الشعبي الجنوبي وبين بعض التوجهات السياسية التي جرى الدفع بها ضمن ترتيبات المرحلة الانتقالية.
كما يعتقد أصحاب هذا الرأي أن الرياض كانت تنظر بقلق إلى تنامي نفوذ القوى الجنوبية المنظمة وقدرتها على فرض حضورها في المشهدين الأمني والسياسي، خصوصًا مع تصاعد الخطاب الداعي إلى تمكين الجنوبيين من إدارة شؤونهم وتحديد مستقبلهم السياسي. ومن هنا جاءت محاولات احتواء هذا الصعود عبر إدخاله في مسارات تفاوضية وسياسية طويلة، تهدف إلى إبقاء جميع الملفات مفتوحة ومنع الوصول إلى حقائق سياسية نهائية قد تغير شكل المعادلة القائمة.
ويشير منتقدو السياسة السعودية أيضًا إلى أن التناقضات التي شهدتها بعض المواقف تجاه الجنوب عكست غياب رؤية واضحة للتعامل مع المتغيرات الجديدة. ففي الوقت الذي أظهرت فيه القوى الجنوبية قدرتها على مكافحة الإرهاب وتأمين الممرات الحيوية والحفاظ على قدر كبير من الاستقرار مقارنة بمناطق أخرى، استمرت بعض السياسات في التعامل معها باعتبارها مجرد طرف ضمن أطراف عديدة، وليس كفاعل رئيسي يملك حضورًا شعبيًا وميدانيًا واسعًا.
وعلى المستوى الاقتصادي والخدمي، تزايدت الانتقادات نتيجة استمرار الأزمات المعيشية وتدهور الخدمات الأساسية في المحافظات الجنوبية رغم مرور سنوات على تحريرها. ويرى كثير من الجنوبيين أن الدعم المقدم لم ينعكس بالشكل الكافي على حياة المواطنين، وأن إدارة الملف الاقتصادي ظلت رهينة لحسابات سياسية معقدة جعلت المواطن يدفع ثمن الصراعات والتجاذبات الإقليمية والمحلية على حد سواء.
ومع ذلك، فإن تفسير التحول السعودي لا يقتصر على عامل واحد أو سبب منفرد، بل يرتبط بمجموعة واسعة من الاعتبارات الإقليمية والدولية. فالمملكة تواجه تحديات أمنية واقتصادية كبرى، وتسعى إلى تجنب أي سيناريوهات قد تفتح أبوابًا جديدة للصراعات على حدودها الجنوبية. كما أن الضغوط الدولية الداعية إلى تسوية شاملة للأزمة اليمنية تدفعها إلى تبني مقاربات أكثر حذرًا تجاه الملفات الخلافية الكبرى، ومنها القضية الجنوبية.
لكن ما يبدو واضحًا اليوم هو أن الفجوة بين التوقعات الجنوبية وبين السياسات السعودية قد اتسعت مقارنة بالسنوات الأولى للحرب. فالكثير من الجنوبيين كانوا يتوقعون أن تؤدي التضحيات العسكرية والنجاحات الأمنية إلى بناء شراكة سياسية مختلفة، بينما وجدوا أنفسهم أمام مشهد لا تزال فيه الأولوية لإدارة التوازنات وإطالة أمد التسويات المرحلية بدلاً من معالجة جذور القضايا السياسية القائمة.
وفي المحصلة، فإن الانتقادات الموجهة للسياسة السعودية تجاه الجنوب تنطلق من شعور متنامٍ بأن الرياض انتقلت من مرحلة الاعتماد على الجنوب كشريك رئيسي في معركة التحرير إلى مرحلة التعامل معه كملف يجب احتواؤه ضمن معادلات إقليمية أكثر تعقيدًا. وبين هاتين المرحلتين تشكلت حالة من عدم الثقة والشكوك المتبادلة، ما جعل العلاقة تمر باختبار سياسي صعب ما زالت نتائجه مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل إصرار الجنوبيين على التمسك برؤيتهم لمستقبلهم، واستمرار الأطراف الإقليمية في البحث عن صيغ تحقق مصالحها وتحافظ على توازناتها في واحدة من أكثر مناطق المنطقة حساسية وتعقيدًا.

فيديو