انهيار الوضع الإقتصادي وتردي الخدمات في الجنوب عجز فعلي ام سياسة إقليمية ممنهجة

تقارير - منذ ساعتان

عدن || عين الجنوب|| خاص:
شهد الجنوب منذ سنوات واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية والخدمية في تاريخه المعاصر، حيث تتواصل الأزمات المعيشية بصورة متصاعدة، وتتراجع قيمة العملة، وتتسع دائرة الفقر، بينما تتفاقم أزمات الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية بشكل ينعكس مباشرة على حياة المواطنين اليومية. وفي ظل هذا الواقع، يبرز سؤال سياسي واقتصادي يفرض نفسه بقوة: هل ما يحدث هو نتيجة عجز فعلي لدى المؤسسات المعنية عن إدارة الملف الاقتصادي والخدمي، أم أن هناك سياسات إقليمية ودولية ساهمت بصورة أو بأخرى في إبقاء الأوضاع ضمن حالة من التوازن الهش الذي يمنع الانهيار الكامل لكنه لا يسمح بالتعافي الحقيقي؟

المؤكد أن الأزمة الحالية لا يمكن اختزالها في سبب واحد. فالحرب الطويلة وما خلفته من تدمير للبنية التحتية واستنزاف للموارد المالية لعبت دوراً أساسياً في الوصول إلى هذا الوضع. كما أن الانقسام السياسي وتعدد الكيانات وغياب المؤسسات الاقتصادية الفاعلة وتعدد مراكز القرار ساهمت جميعها في إضعاف القدرة على معالجة التحديات المتراكمة.

لكن في المقابل، تطرح العديد من الأوساط السياسية والإعلامية تساؤلات حول طبيعة الدور الذي تلعبه القوى الإقليمية المؤثرة في ملف الجنوب وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية باعتبارها اللاعب الأكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد السياسي والعسكري والاقتصادي منذ اندلاع الحرب. ويرى أصحاب هذا الطرح أن حجم النفوذ السعودي يجعل من الصعب فصل الأوضاع الاقتصادية والخدمية القائمة عن السياسات الإقليمية المرتبطة بإدارة الأزمة اليمنية بشكل عام.

ويستند هذا الرأي إلى أن المناطق الجنوبية تمتلك مقومات اقتصادية مهمة، تشمل الموانئ والمواقع الاستراتيجية والثروات النفطية والغازية، فضلاً عن الإمكانات البشرية والاستثمارية التي كان من الممكن أن تسهم في تخفيف حدة الأزمة لو تم استثمارها وإدارتها بصورة أكثر فاعلية. كما يشير أصحاب هذا الرأي إلى أن الدعم الاقتصادي المقدم خلال السنوات الماضية ظل في كثير من الأحيان مرتبطاً بمعالجات مؤقتة أكثر من كونه جزءاً من رؤية تنموية شاملة ومستدامة.

في المقابل، يرى آخرون ان السعودية تتحمل المسؤولية المباشرة عن التدهور الاقتصادي والخدمي، ويؤكدون أن جذور الأزمة ترتبط بسنوات طويلة من الفساد وسوء الإدارة والتدخلات الخارجيه والحروب المتعاقبة. ويرون أن أي دعم خارجي، مهما كان حجمه، لا يمكن أن يحقق نتائج ملموسة في ظل غياب مؤسسات مستقرة وقادرة على إدارة الموارد بكفاءة وشفافية.

وبين هذين الرأيين تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً أن المواطن الجنوبي هو الطرف الذي يتحمل الكلفة الأكبر. فالمعاناة اليومية الناتجة عن تدهور الخدمات وانقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار لم تعد مجرد أزمة مؤقتة، بل تحولت إلى واقع مستمر يفرض ضغوطاً متزايدة على مختلف شرائح المجتمع.

كما أن استمرار هذا الوضع يفتح الباب أمام مزيد من التساؤلات حول مستقبل الاستقرار في الجنوب، خصوصاً في ظل تنامي المطالب الشعبية بإيجاد حلول جذرية للأزمات الاقتصادية والخدمية بعيداً عن الحسابات السياسية والصراعات الإقليمية. فالمجتمعات لا تقاس بالشعارات بقدر ما تقاس بقدرتها على توفير حياة كريمة لمواطنيها، وأي مشروع سياسي أو أمني يفقد جزءاً كبيراً من شرعيته عندما يعجز عن معالجة القضايا المعيشية الأساسية.

إن الأزمة الاقتصادية والخدمية في الجنوب تبدو اليوم أكثر تعقيداً من أن تُفسَّر بعامل واحد أو جهة واحدة. فهي نتاج تداخل عوامل داخلية وخارجية، سياسية واقتصادية وأمنية. غير أن استمرار التدهور دون حلول ملموسة يجعل من حق المواطنين والقوى السياسية والإعلامية طرح الأسئلة الصعبة ومساءلة جميع الأطراف المؤثرة عن مسؤولياتها ودورها في الوصول إلى هذا الواقع.

وفي النهاية، سواء كان ما يجري نتيجة عجز إداري واقتصادي مزمن، أو نتيجة سياسات إقليمية مرتبطة بإدارة الصراع وموازين النفوذ، فإن النتيجة واحدة بالنسبة للمواطن الذي ينتظر كهرباء مستقرة، وعملة تحافظ على قيمتها، وخدمات أساسية تضمن له الحد الأدنى من الحياة الكريمة. ويبقى التحدي الحقيقي أمام جميع الأطراف هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، لأن استمرار الوضع الراهن لم يعد يهدد الاقتصاد والخدمات فحسب، بل يهدد الثقة بمستقبل المنطقة بأكملها

فيديو