هل آن الأوان للسعودية أن تقول الحقيقة؟ باب المندب والمخا.. انتصارات صنعتها القوات الجنوبية

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن ، عين الجنوب || خاص           

تتجدد الأسئلة في الأوساط الجنوبية بشأن الخطاب الذي تتبناه السعودية عند الحديث عن المعارك والإنجازات العسكرية على امتداد الساحل الغربي وباب المندب، وفي مقدمتها معارك تحرير المخا وتأمين الممرات الحيوية المطلة على البحر الأحمر. فبعد سنوات من المعارك والتحولات الميدانية، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: هل حان الوقت لأن تعيد الرياض صياغة روايتها، وأن تعترف بالجهة التي كانت حاضرة فعليًا في ساحات القتال؟
يرى جنوبيون أن الوقائع الميدانية لا تحتاج إلى كثير من التأويل، وأن القوات الجنوبية كانت في مقدمة التشكيلات التي خاضت معارك الساحل الغربي وباب المندب، وقدمت تضحيات كبيرة في مواجهة الحوثيين، بينما بقيت تشكيلات أخرى تُنسب إليها الانتصارات إعلاميًا وسياسيًا رغم محدودية حضورها الفعلي على الأرض.
وبحسب هذا الطرح، فإن صور العلم الجنوبي وهو يرفرف فوق الآليات العسكرية وفي مواقع الانتشار والقتال ليست مجرد صور عابرة، بل تعكس هوية القوات التي شاركت في تلك المعارك، حمل رسالة سياسية وعسكرية واضحة بشأن الدور الذي لعبته القوات الجنوبية في تحرير وتأمين تلك المناطق.
ولا يتوقف الجدل عند مسألة الصور والرموز، بل يمتد إلى طبيعة القوات التي كانت موجودة فعليًا في الميدان. فالجنوبيون يتساءلون عن جدوى استمرار تقديم ما يسمى بـ"الجيش الوطني" باعتباره القوة الرئيسية التي حققت الانتصارات، في وقت يرون فيه أن كثيرًا من وحداته وتشكيلاته ظلت بعيدة عن خطوط المواجهة، وأن جزءًا كبيرًا من هذا الجيش أصبح، في الخطاب الشعبي الجنوبي، مرتبطًا بكشوفات الرواتب أكثر من ارتباطه بالحضور العسكري الفعلي.
وتزداد حدة هذه التساؤلات مع استمرار الاعتماد السياسي على منظومة يعتبرها قطاع واسع من الجنوبيين فاقدة للقدرة على فرض نفسها ميدانيًا. فالمعادلة، من وجهة نظرهم، لم تعد تحتمل استمرار الفصل بين ما يُقال في البيانات السياسية وبين ما جرى ويجري على الأرض.
ويقول منتقدون للسياسة السعودية إن استمرار نسب الانتصارات إلى تشكيلات لا تمتلك حضورًا ميدانيًا مكافئًا يساهم في تشويه صورة المعركة، ويُبقي على رواية سياسية لم تعد متطابقة مع الوقائع العسكرية. وفي المقابل، فإن الاعتراف بالدور الجنوبي، بحسب هذا الطرح، لن يكون مجرد تصحيح إعلامي، بل خطوة باتجاه قراءة أكثر واقعية لخريطة القوى الموجودة على الأرض.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في باب المندب تحديدًا، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وكون أمنه يرتبط مباشرة بأمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن. ومن هنا، فإن القوات التي تنتشر فعليًا في المناطق المحيطة به وتشارك في تأمينها لا يمكن تجاهل دورها عند كتابة الرواية السياسية والعسكرية للأحداث.
كما أن معركة المخا والساحل الغربي، وفق الرواية الجنوبية، تمثل نموذجًا واضحًا على الفارق بين القوة الموجودة على الأرض والقوة التي يجري تقديمها في الخطاب السياسي. فالمقاتلون الذين خاضوا المعارك ودفعوا ثمن التقدم العسكري، يرون أن من حقهم أن تُذكر تضحياتهم وأن تُنسب الانتصارات إلى أصحابها الحقيقيين، بعيدًا عن الحسابات السياسية.
ومن هنا يأتي السؤال الموجه إلى الرياض: هل آن الأوان لتصحيح اللغة السياسية والإعلامية، والانتقال من رواية تستند إلى مؤسسات وكيانات فقدت كثيرًا من حضورها الميداني، إلى رواية تستند إلى الحقائق التي صنعتها المعارك على الأرض؟
إن الاعتراف بالدور الجنوبي لا يعني، بالضرورة، فتح مواجهة سياسية جديدة، بل يمكن أن يمثل مدخلًا لإعادة ترتيب الأولويات على أساس واقعي. فالميدان هو الذي يحدد في النهاية من قاتل، ومن ثبت في مواقع المواجهة، ومن دفع الثمن، ومن استطاع حماية الأرض والممرات الحيوية.
ويرى جنوبيون أن استمرار تجاهل هذه الحقائق لن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع، بينما قد يسهم الاعتراف بها في بناء مقاربة جديدة للعلاقة مع القوات الجنوبية، تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل، بدلًا من محاولة تجاوز القوى التي أثبتت حضورها العسكري على الأرض.
وفي المقابل، فإن الاستمرار في تقديم الانتصارات على أنها إنجاز لقوات غير موجودة فعليًا في خطوط النار، وفق الانتقادات الجنوبية، يضعف مصداقية الرواية نفسها، ويطرح تساؤلات حول قدرة المؤسسات السياسية والعسكرية التي يجري الدفاع عنها على تحمل مسؤولياتها في المرحلة المقبلة.
لقد تغيرت موازين القوة على الأرض، وتغيرت معها طبيعة المشهد العسكري والسياسي. ولم يعد من السهل، وفق الرؤية الجنوبية، تجاهل الأعلام التي رفعت في ساحات القتال، أو الصور التي وثقت حضور القوات الجنوبية في مواقع المواجهة، أو التضحيات التي قدمها مقاتلوها في معارك الساحل وباب المندب.
ويبقى السؤال الأبرز: هل ستختار السعودية مواجهة هذه الحقيقة والاعتراف بها، أم ستواصل التمسك برواية سياسية وعسكرية يرى الجنوبيون أنها تجاوزتها الوقائع؟
فالتاريخ العسكري لا تكتبه البيانات وحدها، وإنما تكتبه مواقع القتال، وتضحيات المقاتلين، والرايات التي ارتفعت فوق الأرض بعد انحسار المعارك. ومن هذا المنطلق، يرى الجنوبيون أن الوقت قد حان لأن تكون الرواية الرسمية أكثر قربًا من الواقع، وأن يُذكر دور القوات الجنوبية بما يتناسب مع حضورها وتضحياتها في معارك باب المندب والمخا والساحل الغربي.

فيديو