تعز في قلب العاصفة.. هل تكشف الانسحابات ترتيبات خطيرة تفتح الطريق نحو عدن والجنوب؟

تقارير - منذ 4 ساعات

عدن ،عين الجنوب|| خاص         

تتصاعد المخاوف الجنوبية مع التطورات الميدانية المتسارعة في تعز، وسط حديث عن انسحابات وتسليم مواقع عسكرية وأسلحة ومعدات للحوثيين، بالتزامن مع اضطراب الطريق الحيوي الرابط بين تعز والتربة والجنوب، في مشهد يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول حقيقة ما يجري، وما إذا كانت التطورات الأخيرة مجرد تحول عسكري فرضته ظروف المعركة، أم أنها جزء من ترتيبات أكبر تتجاوز حدود تعز إلى الجنوب العربي وعدن.
وبحسب طرح الباحث والمؤرخ السياسي الخليجي د. خالد بن محمد مبارك القاسمي، فإن ما يحدث لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تراجع ميداني عابر، خصوصاً إذا صحت المعلومات المتداولة بشأن ترك مواقع ومعدات عسكرية خلف القوات المنسحبة ووصولها إلى الحوثيين. ويرى القاسمي أن تزامن هذه التطورات مع إغلاق أو تعطيل الطريق المؤدي نحو الجنوب يثير علامات استفهام كبيرة بشأن الجهات المستفيدة من هذا المسار، وما إذا كانت هناك تفاهمات غير معلنة بين أطراف يفترض أنها تقف على طرفي نقيض.
وتزداد حساسية المشهد بسبب الموقع الجغرافي لتعز، التي تمثل حلقة وصل مهمة بين مناطق الشمال والجنوب، الأمر الذي يجعل أي تغير عسكري واسع فيها ذا انعكاسات تتجاوز حدود المحافظة. فانتقال السيطرة على مواقع استراتيجية أو انهيار خطوط دفاعية بصورة مفاجئة قد يعيد رسم خريطة الصراع ويفتح ممرات جديدة أمام القوى التي تسعى إلى توسيع نفوذها باتجاه المناطق الجنوبية.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الخطر لا يكمن في خسارة مواقع داخل تعز فحسب، وإنما في التداعيات التي قد تنتج عنها إذا تحولت الانسحابات المتتالية إلى واقع عسكري جديد يضع الجنوب أمام جبهة ممتدة من الشمال، ويعيد إلى الذاكرة سيناريوهات عام 2014، عندما انهارت خطوط الدفاع تباعاً قبل أن تصل المعارك إلى عدن ومناطق الجنوب.
وفي الجنوب، تبدو هذه التطورات أكثر إثارة للقلق، خصوصاً في ظل اعتقاد واسع بأن القوى الجنوبية لا تستطيع التعامل مع أي تحولات عسكرية باعتبارها شأناً شمالياً منفصلاً، إذا كانت نتائجها ستصل إلى حدود الجنوب أو تهدد أمن عدن والمناطق المحيطة بها.
وتطرح التطورات الأخيرة سؤالاً سياسياً وعسكرياً بالغ الأهمية: هل ما يحدث في تعز نتيجة طبيعية لاختلال موازين القوى، أم أن هناك أطرافاً تستفيد من إعادة ترتيب خارطة المواجهة بما يسمح للحوثيين بالتقدم في مناطق، مقابل نقل ثقل المعركة لاحقاً إلى مناطق أخرى؟
ويذهب القاسمي، وفق الطرح الوارد في هذا السياق، إلى أن الحديث عن تفاهمات بين الإصلاح والحوثيين يستحق التوقف عنده، خصوصاً إذا ترافقت الانسحابات مع ترك السلاح والمواقع، وما يترتب على ذلك من تغيير في موازين القوى. غير أن هذه الاتهامات تبقى بحاجة إلى أدلة مستقلة ومعلومات ميدانية موثوقة حتى تتحول من تقديرات وتحليلات إلى وقائع مثبتة.
لكن الأخطر بالنسبة للجنوب، وفق هذا التصور، هو أن تتحول تعز إلى بوابة جديدة لإعادة إنتاج معادلات سياسية وعسكرية قديمة، بحيث تتحمل المناطق الجنوبية نتائج صراعات لم تكن طرفاً في صناعتها. فكلما تراجعت خطوط المواجهة في الشمال، ازدادت المخاوف من انتقال الضغط العسكري والسياسي إلى الجنوب، سواء عبر الجبهات المباشرة أو عبر محاولة فرض واقع جديد على الأرض.
ويعيد هذا المشهد أيضاً فتح ملف العلاقة بين القوى التي شاركت خلال السنوات الماضية في المعارك، إذ يطرح الشارع الجنوبي تساؤلات حول جدوى استمرار تقديم التضحيات العسكرية إذا كانت بعض القوى الأخرى قادرة على الانسحاب من مواقعها أو إعادة ترتيب تحالفاتها دون تحمل نتائج سياسية أو عسكرية توازي حجم تلك التنازلات.
ومن هنا، فإن القضية بالنسبة للجنوب لم تعد مرتبطة فقط بما يحدث في تعز، وإنما بكيفية إدارة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت هناك ضمانات تحول دون استخدام الجغرافيا الجنوبية كبديل عن الجبهات التي تتهاوى في مناطق أخرى.
فالجنوب، وفق هذا المنظور، أمام معادلة شديدة الحساسية: إما أن يتم التعامل مع قواته وأرضه باعتبارهما طرفاً سياسياً وعسكرياً له مصالحه وحقوقه، أو أن تستمر محاولات دفعه إلى تحمل أعباء صراعات الآخرين دون مقابل سياسي واضح أو ضمانات تحمي قضيته ومصالحه.
ومع استمرار التطورات الميدانية، تتزايد الدعوات إلى رفع مستوى اليقظة السياسية والعسكرية في عدن ومختلف محافظات الجنوب، ليس بالضرورة بهدف الانخراط في معارك جديدة، وإنما لمنع فرض أي واقع بالقوة على الأرض الجنوبية، والتأكد من أن أي ترتيبات عسكرية أو سياسية مقبلة لن تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج أحداث الماضي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث، بحسب هذا الطرح، هو أن يستيقظ الجنوب على واقع جديد بعد انتهاء المعارك في الشمال، فيجد أن خطوط المواجهة قد انتقلت إليه، وأن القوى التي كانت ترفع شعارات الحرب باتت تبحث عن مواقع آمنة، بينما يتحمل الجنوبيون وحدهم تبعات الانهيارات والصفقات والتفاهمات.
ولهذا تبدو معركة الجنوب الحقيقية، في المرحلة المقبلة، مرتبطة بقدرته على حماية أمنه وحدوده ومصالحه السياسية، ورفض أن يكون ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة. فالتجارب السابقة أثبتت أن انهيار الجبهات في الشمال يمكن أن تكون له تداعيات مباشرة على الجنوب، وأن ترك الأحداث تتطور دون حسابات دقيقة قد يقود إلى نتائج يصعب احتواؤها لاحقاً.
وبينما تظل حقيقة ما جرى في تعز بحاجة إلى مزيد من المعلومات الميدانية والأدلة المستقلة، فإن مجرد تزامن الانسحابات المتداولة مع اضطراب الطرق المؤدية إلى الجنوب يكفي لرفع مستوى القلق وطرح الأسئلة الصعبة: من المستفيد من إعادة رسم خطوط المواجهة؟ ومن يدفع ثمن انهيارها؟ وهل تتجه المنطقة نحو تسوية سياسية، أم نحو مرحلة جديدة يصبح فيها الجنوب مجدداً أمام اختبار أمني وعسكري وسياسي كبير؟
وفي نهاية المطاف، فإن أي ترتيبات تتعلق بمستقبل الصراع لن تكون قابلة للاستقرار إذا تجاهلت الجنوب وقضيته ومصالحه، لأن فرض حلول مؤقتة على حساب أمن عدن والمناطق الجنوبية لن يؤدي إلا إلى إنتاج أزمات جديدة. أما حماية الجنوب، فتتطلب وضوحاً في المواقف، ووحدة في الصف، ورفض تحويل تضحيات أبنائه إلى ورقة مجانية في صراعات الآخرين.

فيديو