انتصارات القوات المسلحة الجنوبية تفتح ملفات النفوذ والمغانم.. من يخوض المعارك ومن يحصد المكاسب؟

تقارير - منذ 59 دقيقة

عدن ، عين الجنوب|| خاص                  

تضع الانتصارات التي تحققها القوات المسلحة الجنوبية، وفق ما يعلنه أنصارها وما يطرحونه من قراءات للمشهد الميداني والسياسي، جملةً من التساؤلات أمام القوى السياسية والعسكرية المنضوية تحت مظلة الشرعية، بشأن طبيعة الأدوار التي تؤديها مختلف الأطراف، وحجم التضحيات التي يقدمها المقاتلون، والجهات التي تستفيد من نتائج المواجهات على الأرض. وبينما تتصدر القوات الجنوبية واجهة المواجهات في عدد من الجبهات، تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى أطراف سياسية يُتهم بعضها بالتعامل مع الحرب باعتبارها وسيلة لتحقيق النفوذ والمكاسب، بدلاً من جعلها معركة واضحة الأهداف والنتائج.
وفي قلب هذا الجدل، يبرز مصطلح «شرعية المغانم» في الخطاب السياسي الجنوبي بوصفه تعبيراً عن حالة من الاستياء تجاه ما يراه منتقدون اختلالاً في العلاقة بين المسؤولية والتضحية، وبين من يتحملون أعباء المواجهات ومن يمتلكون مفاتيح القرار السياسي والاقتصادي. فالسؤال الذي يتكرر في الأوساط الجنوبية لا يتعلق فقط بمن يشارك في المعارك، بل بمن يتحمل كلفتها البشرية والمادية، ومن يستثمر نتائجها لتعزيز موقعه في مؤسسات السلطة ومراكز النفوذ.
وتزداد حدة هذه التساؤلات كلما طُرحت مقارنات بين أداء القوات الجنوبية في الميدان وأداء بعض القوى التي تمتلك حضوراً سياسياً وعسكرياً واسعاً ضمن منظومة الشرعية. ويرى منتقدون أن استمرار التباين بين الخطاب المعلن عن استعادة الدولة ومواجهة الحوثيين، وبين ما يعتبرونه ضعفاً في ترجمة هذا الخطاب إلى تحركات ميدانية متماسكة في بعض الجبهات، يفتح الباب أمام مراجعة جدية لأولويات هذه القوى ومدى التزامها بالمهام التي أُنشئت من أجلها التشكيلات العسكرية المختلفة.
ولا يتوقف الجدل عند حدود المواجهات العسكرية، بل يمتد إلى طبيعة إدارة الموارد العامة، وتوزيع المسؤوليات، والامتيازات المرتبطة بالمناصب والنفوذ. ففي الخطاب الجنوبي، ارتبط تعبير «حزب الفيد» باتهامات سياسية تتعلق باستغلال السلطة والموارد لتحقيق مكاسب ضيقة، وهي اتهامات تستدعي، حتى تكون موضع مساءلة موضوعية، أدلة واضحة بشأن إدارة المال العام، وآليات التعيين، وأوجه الإنفاق، ومدى خضوع المسؤولين للرقابة والمحاسبة.
ومن هذا المنطلق، فإن جوهر القضية لا يكمن في إطلاق الأوصاف السياسية وحدها، وإنما في طرح أسئلة عملية ومباشرة: أين تذهب الإيرادات؟ وكيف تُوزع الموارد؟ وما حجم الإنفاق المخصص للجبهات والقوات المقاتلة؟ وهل توجد معايير عادلة لصرف الرواتب والمستحقات وتوفير الاحتياجات العسكرية؟ وما مدى التزام المؤسسات المعنية بمبادئ الشفافية والمساءلة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تنقل الجدل من مستوى الاتهامات المتبادلة إلى مستوى المحاسبة القائمة على الوقائع والأرقام.
وفي المقابل، يرى أنصار القوات المسلحة الجنوبية أن ما يصفونه بتضحيات المقاتلين في مواجهة التهديدات الأمنية والعسكرية ينبغي أن يقابله موقف سياسي واضح يحفظ حقوقهم، ويضمن عدم توظيف جهودهم لمصلحة أطراف لا تتحمل الأعباء نفسها. ويؤكد هذا الطرح أن قيمة أي إنجاز ميداني لا تُقاس فقط بالمواقع التي يجري تأمينها أو باستعادة مناطق استراتيجية، بل أيضاً بمدى انعكاس نتائجه على استقرار السكان، وحماية المصالح العامة، وتعزيز المؤسسات، ومنع عودة الفوضى والفساد.
وتبرز هنا مسألة توحيد الأولويات العسكرية والسياسية باعتبارها إحدى القضايا الأساسية التي تحتاج إلى معالجة. فمواجهة الحوثيين، وحماية المناطق الجنوبية، وتأمين خطوط الملاحة والمواقع الحيوية، كلها ملفات تتطلب تنسيقاً واضحاً بين القوى الموجودة على الأرض، وتحديداً للمسؤوليات، وابتعاداً عن الحسابات الحزبية الضيقة. كما أن أي خلاف بين الأطراف المعنية بشأن القيادة أو الموارد أو توزيع النفوذ ينبغي أن يُعالج عبر آليات مؤسسية تضمن عدم انتقال الصراع السياسي إلى الميدان، أو تحوّله إلى عامل يضعف الأمن والاستقرار.
أما على المستوى الجنوبي، فإن تصاعد النقاش حول دور القوات المسلحة الجنوبية يعيد إلى الواجهة مطلباً سياسياً يتمثل في ضرورة ربط التضحيات الميدانية بمستقبل القضية الجنوبية ومطالب أبنائها. فبالنسبة إلى أنصار المشروع الجنوبي، لا ينبغي أن تكون مشاركة القوات في المواجهات منفصلة عن الأسئلة المتعلقة بمكانة الجنوب في أي تسوية سياسية مقبلة، ولا عن ضمانات عدم تهميش القوى التي تتحمل مسؤوليات أمنية وعسكرية على الأرض.
لكن تحويل هذه المطالب إلى نتائج ملموسة يتطلب، إلى جانب الحضور الميداني، عملاً سياسياً منظماً، ورؤية واضحة لإدارة المؤسسات والموارد، وبرنامجاً لمكافحة الفساد، وضمانات تحمي حقوق المواطنين. فالقوة العسكرية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها معالجة الأزمات الاقتصادية والخدمية، كما أن الانتصارات الميدانية لا تكتمل آثارها ما لم تقترن بتحسين حياة الناس، وانتظام الرواتب، وتوفير الخدمات الأساسية، وترسيخ سيادة القانون.
وتبقى المساءلة هي الاختبار الأهم أمام جميع القوى التي تتولى مسؤوليات عامة، سواء كانت ضمن مؤسسات الشرعية أو في المؤسسات والهيئات الجنوبية. فلا يكفي أن يرفع أي طرف شعارات الدفاع عن الوطن أو مواجهة الخصوم؛ بل ينبغي أن يكون قادراً على تقديم حصيلة واضحة لعمله، وشرح قراراته، وإظهار ما تحقق من أهداف، وقبول الرقابة على الموارد والإنفاق. وبذلك تصبح المسؤولية العامة تكليفاً يخضع للمحاسبة، لا امتيازاً سياسياً يُستثمر لتحقيق المصالح الخاصة.
وفي المحصلة، فإن الجدل الذي تثيره الانتصارات الجنوبية، وما يصاحبه من انتقادات لما يُسمى «شرعية المغانم» و«حزب الفيد»، يعكس صراعاً أوسع حول العلاقة بين التضحية والسلطة، وبين الواجب الوطني والمصالح السياسية. وهي قضية لا يمكن حسمها بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى وقائع موثقة، ومؤسسات رقابية فاعلة، وشفافية في إدارة الموارد، ومعايير عادلة لتوزيع المسؤوليات والمكاسب.

فالمعيار الحقيقي لأي قوة سياسية أو عسكرية ليس حجم ما تحصل عليه من نفوذ، بل ما تقدمه من أمن واستقرار وخدمات، ومدى احترامها للقانون، وقدرتها على حماية المال العام وحقوق المواطنين. وعندما تصبح هذه المعايير أساساً لتقييم الأداء، يمكن الانتقال من تبادل الاتهامات إلى مساءلة جدية تضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة، وتجعل نتائج المعارك مرتبطة بأهداف سياسية وأمنية واضحة، لا بمجرد إعادة توزيع النفوذ بين الأطراف المتنافسة.

فيديو