دماء الجنوب ليست بديلًا عن الإخفاق: سجال المسؤولية والشرعية في معارك التحرير

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن ، عين الجنوب |خاص        

يتجدد الجدل السياسي والعسكري حول محاولات تحميل أبناء الجنوب العربي مسؤولية تحرير المناطق الواقعة تحت سيطرة مليشيات الحوثي، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات بشأن دور القوات التابعة للشرعية، وقدرتها على استعادة المناطق التي ظلت خارج سيطرتها طوال سنوات الحرب. وبينما تتجه بعض الخطابات السياسية والإعلامية إلى مطالبة الجنوبيين بمزيد من التضحيات، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على المشهد: لماذا يُطلب من الجنوب أن يدفع ثمن معارك لم تتمكن القوات التي تتبناها من خوضها وتحقيق أهدافها؟
هذا التساؤل الذي اعادسياسيون جنوبيون طرحه، يعكس حالة من الاستياء المتنامي إزاء ما يراه كثيرون محاولة لإعادة توزيع أعباء الحرب بصورة غير متكافئة، بحيث تتحول القوات الجنوبية إلى خيار حاضر عند الحديث عن المواجهات العسكرية، بينما تتراجع مسؤولية التشكيلات التابعة للشرعية عن أداء المهام التي أُنشئت وحُشدت الموارد البشرية والمالية والعسكرية من أجلها.
وتكمن المفارقة في أن المناطق الشمالية الخاضعة لسيطرة الحوثيين لا تزال تنتظر معركة حقيقية لاستعادتها، رغم مرور سنوات طويلة على الحرب، ورغم ما أُعلن خلالها من خطط عسكرية وتشكيلات قتالية وإمكانات مالية ولوجستية. ومع ذلك، يعود الخطاب السياسي في كل مرحلة ليضع الجنوب أمام مطالب جديدة، وكأن قدر أبنائه أن يكونوا القوة التي يُعوَّل عليها لتعويض الإخفاقات المتراكمة، دون أن تقابل هذه المطالب ضمانات واضحة بشأن مستقبل قضيتهم الوطنية وتطلعات شعبهم السياسية.
ومن هنا، لم يعد النقاش مقتصراً على مسألة المشاركة في مواجهة الحوثيين، ولا على الموقف من ضرورة التصدي لأي تهديد عسكري يستهدف الجنوب أو أمن المنطقة، بل امتد إلى طبيعة المسؤولية السياسية والعسكرية، وحدود الالتزامات التي يُراد فرضها على القوات الجنوبية، والنتائج التي يمكن أن تترتب على أي مشاركة لا تستند إلى رؤية واضحة تحدد الأهداف والضمانات والمصالح الوطنية.
فمن يمتلك القوات والتشكيلات العسكرية والقيادات والموارد، ويعلن أن تحرير المناطق الشمالية يمثل هدفاً رئيسياً له، يفترض أن يتحمل المسؤولية الأولى عن تحقيق ذلك الهدف، وأن يقدم إجابات واضحة بشأن أسباب تعثر العمليات العسكرية خلال السنوات الماضية. أما مطالبة الجنوب بتقديم مزيد من التضحيات، بالتزامن مع توجيه حملات سياسية وإعلامية ضد كل من يطالب بتحديد الأولويات والضمانات، فإنها تفتح الباب أمام مزيد من الشكوك حول طبيعة الحسابات التي تحكم هذا الخطاب.
ولا يمكن تجاهل أن الجنوب قدم تضحيات كبيرة في مواجهة الحوثيين، وأن قواته خاضت معارك دفاعاً عن أرضها، وأسهمت في حماية مناطق جنوبية من التمدد العسكري، وفق ما تؤكده الوقائع التي شهدتها جبهات المواجهة. غير أن هذه التضحيات لا تعني أن دماء الجنوبيين أصبحت التزاماً مفتوحاً، أو أن من حق أي طرف سياسي أن يحدد مصيرهم العسكري دون مراعاة تطلعاتهم الوطنية ومطالبهم المشروعة.
فالفرق كبير بين المشاركة في معركة تفرضها ضرورة الدفاع عن الأرض والأمن، وبين الانخراط في عمليات عسكرية واسعة تُطرح أهدافها بصورة عامة، بينما تظل الأسئلة المتعلقة بمستقبل الجنوب وقضيته السياسية معلقة. كما أن مواجهة الحوثيين لا ينبغي أن تتحول إلى مدخل لتجاوز القضية الجنوبية، أو إلى وسيلة لإعادة إنتاج معادلات سياسية لم تحقق الاستقرار، ولم تمنح أبناء الجنوب ضمانات كافية بشأن حقوقهم ومستقبلهم.
وتزداد حساسية هذا الملف عندما تتحول المطالب العسكرية إلى حملات تخوين وتشويه تستهدف الجنوبيين بسبب رفضهم الزج بقواتهم في معارك لا تتضح نتائجها السياسية، أو بسبب تمسكهم بحقهم في تحديد أولوياتهم الدفاعية والوطنية. فاختلاف المواقف بشأن طبيعة المشاركة العسكرية لا يبرر إلغاء حق الجنوبيين في النقاش، ولا يجعل المطالبة بالضمانات خروجاً عن المسؤولية الوطنية، بل إن وضوح الأهداف وتحديد المسؤوليات يمثلان شرطين أساسيين لأي تحرك عسكري ناجح.
كما أن استمرار الضغط على الجنوب دون معالجة أسباب تعثر القوات التابعة للشرعية يهدد بتوسيع فجوة الثقة بين الأطراف، ويجعل الحديث عن توحيد الجهود العسكرية أقل إقناعاً ما لم يقترن بخطوات عملية تعيد ترتيب الأولويات وتحدد دور كل قوة بوضوح. فالوحدة في مواجهة التهديدات لا تُبنى بالشعارات وحدها، ولا تتحقق عبر مطالبة طرف بتقديم التضحيات نيابة عن الآخرين، وإنما تقوم على الشراكة الواضحة، وتقاسم المسؤوليات، واحترام خصوصية كل قضية وطنية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي استراتيجية جادة لمواجهة الحوثيين ينبغي أن تبدأ بتقييم موضوعي لأداء القوات والتشكيلات العسكرية، وتحديد أسباب تعثرها، ومحاسبة القيادات على نتائج المهام الموكلة إليها، بدلاً من نقل عبء الإخفاق إلى القوات الجنوبية أو تحويلها إلى شماعة تُعلَّق عليها نتائج سنوات من التعثر. كما يتعين أن تكون القرارات العسكرية مرتبطة بأهداف محددة، وأن تراعي المخاطر التي قد تتعرض لها المحافظات الجنوبية، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية والعسكرية التي تواجهها جبهاتها.
وفي المقابل، فإن حماية الجنوب والدفاع عن أراضيه تظل أولوية لا يمكن فصلها عن حق شعبه في تقرير مستقبله السياسي. وأي تحرك عسكري يجب أن يضع أمن المحافظات الجنوبية واستقرارها في صدارة الاعتبارات، وأن يضمن عدم استنزاف قواتها في مهام تتجاوز احتياجاتها الدفاعية، أو تفرض عليها أعباء لا تتناسب مع الإمكانات المتاحة والنتائج المتوقعة.
ولا يعني هذا الموقف إغلاق باب التعاون أو رفض التنسيق في مواجهة المخاطر المشتركة، بل إن التعاون الحقيقي يحتاج إلى قواعد واضحة تضمن عدم استغلاله سياسياً، وتحول دون استخدام التضحيات العسكرية لتأجيل معالجة القضايا الوطنية. فالمشاركة الفاعلة لا تُفرض بالتخوين والضغوط، وإنما تُبنى على الثقة المتبادلة، والوضوح في تحديد الأهداف، والاحترام الصريح لحقوق الأطراف ومصالحها.
إن السؤال الذي يواجه منظومة الشرعية اليوم ليس لماذا يتردد الجنوبيون في قبول مطالب جديدة بالمشاركة في المعارك، بل لماذا لم تتمكن القوات التي تحمل على عاتقها مسؤولية تحرير المناطق الشمالية من تحقيق تقدم حاسم يتناسب مع حجم الإمكانات التي حُشدت لها طوال سنوات الحرب؟ ولماذا تتجه الأنظار مجدداً نحو الجنوب كلما طُرح ملف استعادة تلك المناطق، بدلاً من تقديم مراجعة جادة للأداء العسكري والسياسي، ووضع خطة واقعية تتحمل فيها كل جهة مسؤولياتها؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب شجاعة سياسية، ومصارحة بالوقائع، وابتعاداً عن خطاب المزايدات الذي لا ينتج سوى مزيد من الاحتقان. فالقضية لا تتعلق بمجرد توزيع الأدوار على خارطة الحرب، بل بمستقبل الثقة بين القوى المختلفة، وبمدى قدرة القيادات على بناء شراكة حقيقية تحترم التضحيات ولا تتعامل معها باعتبارها مورداً بلا حدود.
وفي المحصلة، فإن الجنوب العربي ليس ساحة مفتوحة لتصحيح إخفاقات الآخرين، كما أن دماء أبنائه ليست بديلاً عن المسؤولية التي تقع على عاتق القوات والقيادات التي تعهدت بتحرير مناطقها. ومن يريد استعادة الأرض الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، عليه أن يبدأ بتحمل مسؤوليته العسكرية والسياسية، وأن يثبت قدرته على تحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج ملموسة، بدلاً من الاكتفاء بتوجيه المطالب والاتهامات نحو الجنوب.
فالطريق إلى شراكة حقيقية يبدأ بالاعتراف بالمسؤوليات، واحترام حق الجنوب في حماية أرضه وتحديد أولوياته، وعدم تحميل أبنائه فاتورة معارك لم تُحسم. أما تحرير الأرض، فلا يتحقق بتصدير الأعباء إلى الآخرين، بل بإرادة جادة وخطة واضحة وقيادات تتحمل مسؤولية قراراتها ونتائجها.

فيديو