​بشائر تعود بالقضية الجنوبية إلى صدارة المشهد وتفتح أبواب مرحلة جديدة في ظل التفاهم الإماراتي السعودي

تقارير - منذ 3 ساعات

عين الجنوب|| خاص:
في ظل التحولات السياسية التي تشهدها المنطقة، وما يرافقها من مؤشرات على تقارب وتفاهم بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، تبرز تساؤلات واسعة حول انعكاسات هذه التطورات على مستقبل الجنوب العربي وقضيته الوطنية، وسط آمال متزايدة بأن تفتح أجواء التفاهم الإقليمي نافذة جديدة أمام القضية الجنوبية للعودة بقوة إلى صدارة المشهد السياسي، بعد سنوات من التعقيدات والتجاذبات التي أثرت في مسارها وألقت بظلالها على استحقاقاتها السياسية.
وتتجه الأنظار إلى طبيعة المرحلة المقبلة، وما يمكن أن تحمله من فرص لإعادة ترتيب الأولويات، وتصحيح مسار التعامل مع القضية الجنوبية، بما يضمن حضورها في أي تفاهمات أو تسويات سياسية قادمة. فالقضية الجنوبية لم تعد مجرد ملف محلي يمكن تجاوزه أو تأجيله، بل أصبحت قضية ذات أبعاد سياسية وشعبية وأمنية، ترتبط بمستقبل الاستقرار في المنطقة، وبقدرة الأطراف المعنية على بناء تسوية واقعية تستجيب لتطلعات شعب الجنوب وتراعي خصوصية قضيته الوطنية.
ويكتسب أي تفاهم سعودي إماراتي أهمية خاصة بالنسبة للجنوب، بالنظر إلى الدور الذي تلعبه الدولتان في المشهد السياسي والأمني، وما تمتلكانه من تأثير في مسارات الأحداث. ومن هذا المنطلق، فإن تجاوز الخلافات وتنسيق المواقف قد يهيئان ظروفاً أكثر ملاءمة لمعالجة الملفات العالقة، ويفتحان المجال أمام مقاربة جديدة للقضية الجنوبية، بعيداً عن سياسات التجاذب وتضارب الأولويات التي كثيراً ما انعكست سلباً على تطلعات الجنوبيين.
غير أن الرهان الجنوبي لا يتوقف عند حدود التقارب بين الرياض وأبوظبي، بل يتصل بمدى انعكاس هذا التقارب على الأرض، وتحوله إلى خطوات سياسية واضحة تعيد الاعتبار لإرادة شعب الجنوب، وتضع قضيته في صدارة أي حوار أو تسوية مقبلة. فالتفاهمات الإقليمية، مهما بلغت أهميتها، تظل بحاجة إلى ترجمة عملية تضمن عدم تهميش القضية الجنوبية أو التعامل معها بوصفها ورقة تفاوضية يمكن استخدامها لتحقيق مصالح الأطراف الأخرى.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الحضور السياسي الجنوبي وقدرته على توحيد الصفوف وتقديم رؤية واضحة لمستقبل الجنوب العربي، تستند إلى التفويض الشعبي والتمسك بالحقوق الوطنية. فالمتغيرات الإقليمية قد تتيح فرصاً جديدة، لكنها لا تصنع وحدها التحولات السياسية ما لم تقابلها إرادة جنوبية متماسكة، وخطاب سياسي قادر على التعبير عن تطلعات الشارع، وتحويل الزخم الشعبي إلى موقف تفاوضي مؤثر.
كما أن المرحلة المقبلة تفرض ضرورة الفصل بين معركة استقرار المنطقة وبين محاولات تجاوز القضية الجنوبية أو تأجيلها إلى أجل غير معلوم. فالجنوب، الذي تحملت قواته وأبناؤه أعباء كبيرة في مواجهة التهديدات الأمنية والعسكرية، يرى أن أي ترتيبات مستقبلية ينبغي أن تعترف بدوره وتضمن حقوقه السياسية، وألا تجعله مجرد طرف يتحمل تكاليف الصراعات من دون أن يكون شريكاً حقيقياً في صياغة الحلول.
ومن هنا، فإن عودة القضية الجنوبية إلى صدارة الاهتمام لا تعني فقط استئناف النقاش حول مستقبلها، بل تعني ضرورة الانتقال من إدارة الأزمة إلى البحث الجاد عن حل سياسي عادل، يضع إرادة الشعب الجنوبي في الاعتبار، ويمنح ممثليه مساحة حقيقية للتعبير عن مشروعهم الوطني. كما تعني أن أي تفاهمات إقليمية ناجحة ينبغي أن تقوم على إدراك أن الاستقرار المستدام لا يتحقق بتجاهل القضايا الجوهرية، وإنما بمعالجتها وفق ضمانات واضحة وتفاهمات تحترم إرادة الشعوب.
وفي المقابل، تظل هناك تحديات لا يمكن تجاهلها، أبرزها تضارب المصالح، وتعقيدات المشهد السياسي، ومحاولات بعض الأطراف إبقاء القضية الجنوبية ضمن الملفات المؤجلة. ولذلك، فإن التفاؤل بأي تقارب إقليمي ينبغي أن يقترن بقراءة واقعية للمواقف والتطورات، وبالتمسك بالمطالب الوطنية، وعدم الاكتفاء بالتصريحات أو المؤشرات التي لا تتبعها إجراءات ملموسة.
إن الجنوب العربي يقف اليوم أمام مرحلة تتطلب أعلى درجات الوعي السياسي ووحدة الصف، والاستعداد للتعامل مع المتغيرات الإقليمية برؤية واضحة وثابتة. فالتفاهم السعودي الإماراتي، إذا ما انعكس إيجاباً على الملف الجنوبي، يمكن أن يشكل فرصة مهمة لإعادة تحريك المياه الراكدة، وفتح مسار سياسي أكثر جدية، يعيد القضية إلى موقعها الطبيعي ضمن أولويات الحلول المطروحة.
وفي المحصلة، فإن بشائر المرحلة المقبلة ستظل مرتبطة بمدى تحول التقارب الإقليمي إلى مواقف عملية تنصف الجنوب وتضمن حضور قضيته في أي تسوية سياسية. فالقضية الجنوبية، بما تحمله من أبعاد وطنية وتطلعات شعبية، لا يمكن أن تُختزل في حسابات اللحظة أو رهانات التفاهمات المؤقتة، بل تحتاج إلى مسار واضح يضمن احترام إرادة شعب الجنوب وحقه في تقرير مستقبله.
وبين مؤشرات التقارب الإقليمي وتطلعات الشارع الجنوبي، تتجدد الآمال بأن تكون المرحلة المقبلة بداية لعودة القضية الجنوبية إلى واجهة الأحداث، لا باعتبارها ملفاً هامشياً أو ورقة للمساومة، بل باعتبارها قضية سياسية رئيسية لا يمكن تجاوزها عند رسم مستقبل المنطقة. فالمعيار الحقيقي لأي تفاهم ناجح لن يكون في حجم التقارب بين الأطراف فحسب، وإنما في قدرته على إنتاج حلول عادلة ومستدامة، تضمن للجنوب مكانته السياسية، وتحفظ أمنه واستقراره، وتفتح أمام شعبه الطريق نحو تحقيق تطلعاته الوطنية.

فيديو