عدن على فوهة بركان رفضاً لتدوير قوى الإحتلال نستلهم ذاكرة الشهداء وقواعد السيادة

تقارير - منذ 4 ساعات

خاص|| عين الجنوب:
في كل مرة تُطرح فيها مسألة وجود وزراء وقيادات شمالية في عدن، يعود الجدل إلى الواجهة مشحونًا بذاكرة مثقلة بالصراعات والحروب والتجارب المريرة. بالنسبة لقطاع واسع من أبناء الجنوب، لا يُنظر إلى الأمر بوصفه مجرد إجراء إداري أو استحقاق سياسي عابر، بل باعتباره ملفًا سياديًا يمس جوهر القضية الجنوبية، ويستدعي أسئلة قديمة عن الشراكة والقرار والتمثيل.
عدن، التي كانت عاصمة لـجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية حتى عام 1990، ما تزال حاضرة في الوعي الجمعي الجنوبي كرمز للدولة المستقلة التي قامت قبل إعلان الوحدة مع الجمهورية العربية اليمنية. ومنذ حرب 1994، التي يعتبرها كثير من الجنوبيين نقطة تحول مفصلية، تشكّل شعور متنامٍ بأن الجنوب لم يكن شريكًا متكافئًا في إدارة الدولة، بل طرفًا خسر نفوذه السياسي والإداري والعسكري.
اليوم، يتجدد هذا الإحساس مع كل قرار يُنظر إليه باعتباره تجاهلًا لخصوصية الجنوب أو التفافًا على مطالبه السياسية. ويرى منتقدون أن وجود مسؤولين شماليين في مواقع حساسة داخل عدن، في ظل استمرار الأزمات المعيشية من انقطاع الخدمات وتأخر المرتبات وتدهور العملة، يُقرأ شعبيًا كرسالة سلبية لا تراعي حجم الاحتقان ولا حساسية المرحلة.
في المقابل، تستند مانسمى بالحكومة الشىرعيه برئاسة المدعو رشاد العليمي إلى مانسميه مرجعيات الوحدة والدستور التي انقلب عليها الشماليون انفسهم ، وتؤكد أن عدن عاصمة مؤقتة للدولة اليمنية، وأن مؤسساتها تمثل جميع اليمنيين شمالًا وجنوبًا. حسب زعمهم غير أن هذا الطرح لا يبدد الشكوك لدى قطاعات جنوبية واسعة ترى أن أي وجود سياسي لا يستند إلى توافق محلي صريح يعمّق الفجوة بدل ردمها.
برز خلال السنوات الأخيرة المجلس الانتقالي الجنوبي كلاعب رئيسي في المشهد الجنوبي، رافعًا شعار تمثيل تطلعات الجنوبيين في استعادة دولتهم. ويعتبر أنصاره أن أي ترتيبات سياسية لا تراعي هذه التطلعات تعد تجاوزًا لإرادة الشارع، فيما يرى خصومه أن الحل يكمن في حوار شامل داخل إطار الدولة الواحدة. وبين الطرحين، تبقى عدن ساحة شدٍّ سياسي يعكس تعقيدات الأزمة الجاريه في البلاد 
تاريخ الجنوب مع الاستعمار البريطاني، الذي انتهى عام 1967 بعد كفاح طويل، يُستدعى كثيرًا في الخطاب الشعبي بوصفه دليلًا على قدرة المجتمع الجنوبي على فرض إرادته حين حين يقرر ذلك حينها تتوحد كلمته ويتجه بثبات نحو هدفه . غير أن واقع اليوم أكثر تعقيدًا؛ فالصراع لم يعد بين قوة استعمارية اجنبيه واضحة المعالم وحركة تحرر، بل بين مشاريع سياسية متداخلة، وحسابات إقليمية، وأزمة دولة منهكة منذ سنوات الحرب. يراعي فيها الجنوبيين حق الجوار واحترام العروبه والاخوه في وقت لايراعي فيه الطرف الاخر هذه الخصوصيات والحقوق فالمخاوف التي يعبّر عنها الشارع الجنوبي لا تنفصل عن السياق الاقتصادي المنهار: كهرباء شبه متوفره رواتب متأخرة، عملة متراجعة، وخدمات أساسية تكاد تكون غائبة. في مثل هذا المناخ، يتحول أي قرار سياسي مثير للجدل إلى شرارة إضافية في بيئة قابلة للاشتعال. ويرى مراقبون أن تجاهل الحساسية الشعبية أو التقليل من شأنها قد يدفع نحو مزيد من الانقسام بدل البحث عن حلول مستدامة.
ومع تصاعد الخطاب المتشنج على وسائل التواصل، تتزايد الحاجة إلى مقاربة عقلانية توازن بين الحق في التعبير عن الرفض، وبين ضرورة تجنيب عدن والجنوب مزيدًا من المواجهات التي لن تزيد المشهد إلا تعقيدًا. فالقضية الجنوبية، مهما اختلفت حولها الرؤى، تظل في جوهرها قضية سياسية تحتاج إلى مسار سياسي واضح، لا إلى استعراضات قوة أو قرارات أحادية.
الرسالة التي تتكرر في الشارع الجنوبي اليوم ليست دعوة إلى الفوضى بقدر ما هي مطالبة باعتراف سياسي صريح بخصوصية الجنوب، واحترام إرادته، ووقف السياسات التي تُفسَّر على أنها فرض وصاية أو إعادة إنتاج لمعادلات ما بعد 1994. وفي ظل استمرار الانسداد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تُدار المرحلة بعقلية الشراكة والتفاهم، أم بعقلية الغلبة وتجاهل الغضب الشعبي؟
عدن تقف عند مفترق طرق. بين ذاكرة الشهداء، وأوجاع الحاضر، وتطلعات المستقبل، تتشكل معادلة دقيقة تحتاج إلى حكمة سياسية حقيقية. فالاستقرار لن يتحقق إلا حين يشعر الناس أن صوتهم مسموع، وأن دماء الماضي لم تُنسَ، وأن الحاضر لا يُدار بمعزل عن إرادتهم.

فيديو