حين يتكلم الشارع بتبات… قراءة سياسية في رسائل “مليونية الثبات والقرار”

دراسات وتحليلات - منذ ساعتان

خاص|عين الجنوب                       

في لحظة سياسية حساسة تتقاطع فيها التحولات المحلية مع حسابات الإقليم وتعقيدات المشهد العام، جاءت “مليونية الثبات والقرار” لتعيد رسم ملامح المزاج الشعبي في الجنوب، ليس بوصفها فعالية جماهيرية عابرة، بل كحدث سياسي حمل دلالات تتجاوز الحشود إلى مضمون الرسائل التي سعى المشاركون إلى تثبيتها في قلب المعادلة السياسية القائمة.
البيان الصادر عن المليونية عكس بوضوح انتقال الفعل الجماهيري من مربع الاحتجاج التقليدي إلى مستوى التعبير السياسي المنظم، حيث أكد المحتشدون تمسكهم بالمجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره الممثل السياسي المعبر عن تطلعات قطاع واسع من أبناء الجنوب، في رسالة مباشرة مفادها أن أي محاولات لإعادة تشكيل المشهد السياسي بمعزل عن هذا الحضور الشعبي ستصطدم برفض جماهيري واضح. وقد بدا هذا الموقف امتداداً لحالة تراكم سياسي تشكلت خلال السنوات الماضية، مع تصاعد الشعور الشعبي بضرورة حماية ما يعتبره الجنوبيون مكاسب سياسية تحققت بفعل التضحيات والتحولات الميدانية.
ولم يكن القلق الشعبي الذي حمله البيان منفصلاً عن التطورات الأخيرة، إذ أظهر المحتشدون حساسية عالية تجاه الإجراءات السياسية والأمنية التي طالت مقرات المجلس الانتقالي، معتبرين أن مثل هذه الخطوات تمثل مؤشراً على تصعيد قد يهدد حالة الاستقرار النسبي في العاصمة عدن. وفي هذا السياق، حمل البيان تحذيراً مبطناً من أن إدارة الخلافات السياسية عبر قرارات أحادية قد تدفع بالمشهد نحو توترات جديدة، في وقت تبدو فيه الحاجة ملحة لتعزيز التوافق بدلاً من توسيع فجوات الانقسام.
كما برز البعد الخارجي حاضراً بقوة في مضمون الرسائل، حيث حرصت المليونية على توجيه خطاب واضح إلى المجتمعين الإقليمي والدولي، مفاده أن القضية الجنوبية لم تعد مجرد ملف قابل للتأجيل أو التجاوز ضمن التسويات العامة، بل أصبحت واقعاً سياسياً يفرض نفسه على أي مسار تفاوضي مستقبلي. وأكد البيان أن أي حلول قادمة لن تكتسب شرعيتها ما لم تستند إلى إرادة شعبية معبّر عنها بآليات ديمقراطية، وفي مقدمتها الاستفتاء الشعبي بوصفه الخيار الذي يمنح أي تسوية بعدها القانوني والسياسي المستدام.
وفي مقابل نبرة الرفض، حمل البيان أيضاً دعوة صريحة للحوار السياسي، لكنه حوار مشروط ببيئة متوازنة تضمن تمثيلاً حقيقياً للأطراف الجنوبية بعيداً عن الضغوط أو محاولات الإقصاء. هذه الإشارة عكست إدراكاً متنامياً داخل الشارع الجنوبي بأن المرحلة المقبلة لن تُحسم بالشعارات وحدها، بل عبر تفاهمات سياسية مدعومة بضمانات إقليمية ودولية تحول دون تكرار تجارب سابقة انتهت إلى أزمات جديدة بدل تحقيق الاستقرار.
الاهتمام بالمؤسسة العسكرية والأمنية شكّل أحد أبرز محاور البيان، إذ جرى التأكيد على دورها كعامل استقرار أساسي في المرحلة الراهنة، مع التحذير من أي محاولات لإعادة توظيفها في صراعات سياسية داخلية. وقد حمل هذا الطرح دلالة واضحة على إدراك حساسية التوازن الأمني في الجنوب، وضرورة الحفاظ على هذه المؤسسات بعيداً عن التجاذبات، بما يضمن استمرارها في أداء دورها المرتبط بحماية الأمن العام والحفاظ على السلم المجتمعي.
وعلى الصعيد المعيشي، لم يغفل البيان معاناة المواطنين اليومية، حيث عبّر المشاركون عن رفضهم لتسييس الخدمات أو استخدامها كأداة ضغط سياسي، في ظل ظروف اقتصادية صعبة تثقل كاهل السكان. وجاء التأكيد على أن تحسين الخدمات وتخفيف الأعباء المعيشية يمثلان ركناً أساسياً لأي استقرار حقيقي، باعتبار أن الاستقرار السياسي لا يمكن فصله عن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
المشهد العام للمليونية كشف عن تطور لافت في طبيعة الحراك الشعبي الجنوبي، إذ لم تعد الفعاليات الجماهيرية مجرد استعراض عددي، بل تحولت إلى منصات لإعلان المواقف وصياغة الرسائل الاستراتيجية في توقيت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة. وقد عكست الحشود، من خلال حضورها وخطابها السياسي، توجهاً نحو تثبيت وحدة الموقف الداخلي باعتبارها العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مسار المرحلة القادمة.
وبين زخم الجماهير وصياغة البيان السياسي، بدت الرسالة الأبرز التي حملتها “مليونية الثبات والقرار” أن الجنوب – وفق رؤية المشاركين – يسعى للدخول في مرحلة عنوانها تثبيت الواقع السياسي للجنوب ومنع التراجع عنه، مع التأكيد أن القرار النهائي سيظل مرتبطاً بإرادة الشارع الذي حضر بكثافة ليعلن أن صوته ما يزال الفاعل الأكثر حضوراً في معادلة السياسة ومستقبل الجنوب.

فيديو