2015م وقبل عقد من الزمن حين انتصرت عدن ونهضت من تحت الركام فكتبت بداية طريق التحرير

السياسة - منذ ساعتان

عين الجنوب || خاص 

لم تكن عدن في ذلك الوقت مجرد مدينة ساحلية هادئة على ضفاف البحر، بل تحولت إلى ساحة اختبار حقيقية لإرادة شعب قرر أن يقف في وجه أخطر التحديات التي واجهت الجنوب في تاريخه الحديث. فحين اندفعت قوات الحوثيين نحو عدن في محاولة لإخضاعها وإسقاطها، لم يكن الهدف السيطرة على مدينة فقط، بل كسر إرادة الجنوب وإغلاق الطريق أمام أي حلم بالتحرر واستعادة الدولة الجنوبية. غير أن ما حدث على أرض عدن قلب المعادلة تماماً، وحوّل المدينة إلى رمز للصمود وبداية لمسار طويل انتهى بتحرير الجنوب من قبضة القوى التي حاولت فرض واقع جديد بالقوة.
في تلك الأيام العصيبة بدت عدن وكأنها تقف وحدها في مواجهة موجة عسكرية ثقيلة. كانت المعركة غير متكافئة من حيث الإمكانات والعدة، لكن ما امتلكه أبناء عدن والجنوب كان أثقل من السلاح نفسه: إرادة الدفاع عن الأرض والهوية والكرامة. تحولت أحياء المدينة إلى خطوط مقاومة، وخرج الشباب من كل مكان يحملون ما استطاعوا من وسائل للدفاع عن مدينتهم، بينما كانت البيوت تفتح أبوابها للمقاتلين والجرحى في مشهد يعكس تلاحم المجتمع بأكمله في مواجهة الخطر.
لم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل كانت صراعاً على مستقبل الجنوب كله. فلو سقطت عدن يومها لكانت خريطة المنطقة قد تغيرت تماماً، ولأصبح الطريق مفتوحاً أمام القوى التي حاولت فرض هيمنتها على كامل الجنوب. لكن المدينة التي اعتادت عبر تاريخها أن تكون مركزاً للحياة والانفتاح، تحولت فجأة إلى قلعة مقاومة عصية على الانكسار.
شيئاً فشيئاً بدأت موازين المعركة تتغير. فالمقاومة الجنوبية التي تشكلت من أبناء الأرض أخذت زمام المبادرة، مستفيدة من معرفتها بتفاصيل المدينة وأحيائها. كانت المواجهات قاسية، والشوارع التي كانت تعج بالحياة تحولت إلى ساحات اشتباك، لكن روح التحدي التي سكنت قلوب المقاتلين صنعت فارقاً حقيقياً في مسار المعركة.
ومع مرور الأيام بدأت قوات الحوثيين تتراجع تدريجياً تحت ضغط الضربات المتواصلة للمقاومة الجنوبية، حتى جاءت اللحظة الفاصلة التي أعلن فيها تحرير عدن. لم يكن ذلك مجرد انتصار عسكري عابر، بل كان حدثاً مفصلياً غيّر مسار الأحداث في الجنوب بأكمله. فعدن التي حاولت تلك القوات إخضاعها تحولت إلى نقطة الانطلاق الأولى نحو تحرير بقية الأرض الجنوبية.
لكن المعركة لم تنتهِ عند حدود صد الغزو الحوثي فقط. فبعد تحرير المدينة وجدت عدن نفسها أمام تحدٍ آخر لا يقل خطورة، تمثل في الجماعات الإرهابية التي حاولت استغلال حالة الفوضى الأمنية للتمدد داخل المدينة. فقد رأت تلك التنظيمات في المرحلة الانتقالية فرصة للسيطرة على بعض المناطق وفرض واقع جديد قائم على الفوضى والعنف.
غير أن الجنوب الذي خرج من معركة التحرير أكثر صلابة لم يسمح لتلك الجماعات بتحويل عدن إلى ملاذ للفوضى. فقد بدأت مرحلة جديدة من المواجهة، اتسمت بعمليات أمنية وعسكرية مكثفة استهدفت أوكار التنظيمات المتطرفة ومراكز نفوذها. ومع مرور الوقت تمكنت القوات الجنوبية من تضييق الخناق على تلك الجماعات وتفكيك شبكاتها، حتى استعادت المدينة تدريجياً أمنها واستقرارها.
كان تطهير عدن من الإرهاب خطوة مفصلية في تثبيت الاستقرار وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية الجنوبية. فمدينة بحجم وأهمية عدن لا يمكن أن تكون مجرد ساحة صراع، بل يجب أن تكون قاعدة انطلاق لمشروع سياسي ووطني أكبر يعيد ترتيب المشهد في الجنوب.
ومن هنا بدأت عدن تلعب دورها التاريخي مجدداً، ليس فقط كعاصمة سياسية أو مركز اقتصادي، بل كرمز لانبعاث المشروع الجنوبي من جديد. فنجاح المدينة في دحر الغزو الحوثي ثم القضاء على الجماعات الإرهابية أعطى دفعة قوية لروح التحرر لدى أبناء الجنوب، وأعاد الثقة بإمكانية استعادة الدولة الجنوبية بعد سنوات طويلة من الصراع والتعقيدات.
لقد تحولت عدن إلى بوابة واسعة للتحرير، ومنها انطلقت العمليات العسكرية والسياسية التي أدت إلى تحرير مناطق واسعة من الجنوب. ومع كل خطوة كانت صورة النصر الذي تحقق في عدن تتكرر في مدن أخرى، حتى أصبح ذلك الانتصار الأول بمثابة الشرارة التي أطلقت مسار التحرير الكامل.
ولذلك لم يعد الحديث عن معركة عدن مجرد استعادة لذكرى تاريخية، بل أصبح حديثاً عن لحظة تأسيسية في تاريخ الجنوب الحديث. لحظة أثبت فيها شعب الجنوب أنه قادر على الدفاع عن أرضه حين تتعرض للخطر، وقادر أيضاً على مواجهة الإرهاب وإعادة بناء مدنه رغم كل ما مرّ بها من دمار ومعاناة.
واليوم، حين ينظر كثيرون إلى ما حدث في عدن، فإنهم يرون أكثر من مجرد انتصار عسكري. يرون قصة مدينة قاومت حتى النهاية، وشعباً رفض الاستسلام، ومعركة فتحت الطريق نحو حلم أكبر ظل يسكن وجدان الجنوبيين لسنوات طويلة: استعادة الدولة الجنوبية وبناء مستقبل جديد قائم على الإرادة الحرة لأبناء الجنوب.
وهكذا بقيت عدن، كما كانت دائماً، مدينة تصنع التحولات الكبرى. مدينة أثبتت أن الإرادة الشعبية قادرة على تغيير مجرى الأحداث، وأن الشعوب التي تقاتل دفاعاً عن أرضها وهويتها تستطيع أن تصنع تاريخها بيدها مهما كانت التحديات. وفي قلب هذا التاريخ سيبقى انتصار عدن علامة فارقة، وبوابة العبور التي فتحت الطريق أمام الجنوب نحو استعادة دولته وهويته ومستقبله.

فيديو