عندما تُباع المنح وتُشترى الأحلام.. الابتعاث الدراسي يتحول إلى «إقطاعيات نفوذ»

الجنوب - منذ 1 ساعة

عدن || عين الجنوب|| خاص:
لم يعد ملف الابتعاث الدراسي مجرد قضية إدارية تتعلق بإجراءات السفر أو قوائم الطلاب الموفدين إلى الخارج، بل بات، وفق ما كشفته لجنة مراجعة قوائم المبتعثين وآليات الابتعاث، واحداً من أكثر الملفات التي تكشف حجم الاختلال المؤسسي، حين تتحول المنحة الدراسية من حق يستند إلى التفوق والكفاءة والاستحقاق إلى فرصة تحكمها الوساطة والنفوذ والمال والعلاقات الشخصية.
ففي الوقت الذي يقف فيه آلاف الطلاب الجنوبيين أمام أبواب الجامعات، يحملون معدلات مرتفعة وأحلاماً كبيرة، ويبحثون عن فرصة عادلة لبناء مستقبلهم وخدمة بلدهم، تكشف المعطيات الواردة في تقرير لجنة المراجعة عن واقع صادم، يتمثل في أن الحصول على المنحة لم يكن دائماً نتيجة منافسة شفافة أو مفاضلة معلنة، بل ارتبط في حالات عديدة بالتوجيهات الشخصية والوساطة والمتابعة من أصحاب النفوذ.
المنحة.. من حق أكاديمي إلى امتياز نفوذ
بحسب ما أوردته اللجنة، فإن التوجيهات التي تدخلت في عملية الابتعاث لم تكن محصورة في جهة واحدة، بل امتدت إلى دوائر متعددة داخل الدولة وخارج وزارة التعليم العالي، وشملت مسؤولين حكوميين ومحافظين ووزراء وأعضاء في مجلس النواب وشخصيات اجتماعية ذات صلات بقيادات في الوزارة.
وفي الداخل، تركزت التوجيهات بشكل خاص داخل قطاعات الابتعاث، حيث أُتيح لبعض القيادات التأثير في المنح والإضافات، الأمر الذي جعل آلية الابتعاث، بحسب ما خلصت إليه اللجنة، عرضة للتدخلات الشخصية والسياسية والمناطقية والعائلية.
وهنا تكمن خطورة القضية؛ فحين تتراجع معايير الكفاءة لحساب النفوذ، لا يخسر طالب واحد فرصة دراسية فحسب، بل يخسر المجتمع بأكمله كفاءة كان يمكن أن تصبح طبيباً أو مهندساً أو باحثاً أو أكاديمياً يسهم في بناء المستقبل.
69% إلى الطب.. وطلاب المعدلات الأعلى خارج الحسابات!
الأكثر إثارة للجدل في الملف ما كشفته اللجنة عن وجود طلاب يدرسون تخصصات مهمة، بينها الطب البشري وطب الأسنان وهندسة البترول، بمعدلات تراوحت بين 69% و74%.
ولا تكمن المشكلة في التقليل من قدرات أي طالب أو التشكيك في مستواه الأكاديمي، وإنما في غياب العدالة عندما تُفتح أبواب التخصصات والمنح بمعايير غير واضحة، بينما يُحرم طلاب آخرون، ربما بمعدلات أعلى ونتائج أفضل في المفاضلات، من حقهم في المنافسة العادلة.
فالمشكلة ليست في أن يدرس طالب حصل على معدل 69% تخصصاً معيناً، إذا كان النظام يسمح بذلك وفق معايير واضحة ومعلنة، وإنما في أن تتحول القواعد إلى أبواب تُفتح لبعض الطلاب عبر التوجيه والوساطة، وتُغلق أمام آخرين لأنهم لا يملكون واسطة أو نفوذاً أو قدرة على الوصول إلى أصحاب القرار.
وهنا يتحول الابتعاث من مشروع وطني لتأهيل الكفاءات إلى ساحة غير متكافئة، يتقدم فيها من يملك العلاقات على من يملك الدرجات، ويتقدم فيها النفوذ على التفوق، ويصبح المستقبل العلمي رهناً بمَن يعرف مَن، لا بمَن يستحق ماذا.
منح تُدار خلف الكواليس وسماسرة يتاجرون بأحلام الطلاب
أخطر ما ورد في التقرير، بحسب ما نشر، هو الحديث عن وجود عمليات بيع وشراء للمنح عبر سماسرة، خصوصاً في قطاع البعثات.
وإذا صحت هذه الوقائع، فإن الأمر لا يتعلق بخلل إداري عابر، بل بجريمة أخلاقية ووطنية تضرب جوهر التعليم وتستهدف مستقبل جيل كامل.
فالمنحة الدراسية ليست سلعة في سوق، وليست مقعداً يمكن أن ينتقل من طالب إلى آخر مقابل المال أو النفوذ. إنها استثمار في الإنسان، وأموالها في النهاية من موارد الدولة، وهدفها المفترض هو بناء الكفاءات وتعويض النقص في القطاعات الحيوية.
لكن عندما يدخل السمسار على الخط، يصبح الطالب المتفوق الذي لا يملك المال أو الواسطة ضحية، بينما يجد آخرون طريقهم إلى قوائم الابتعاث عبر قنوات لا علاقة لها بالاستحقاق العلمي.
التوجيهات المزورة.. حين تتحول الفوضى إلى باب للتلاعب
ولم تتوقف مظاهر الخلل عند حدود الوساطة أو المحاباة، إذ أشارت اللجنة إلى حالات تزوير في التوجيهات، من بينها توجيه مزور منسوب إلى نائب رئيس سابق، إضافة إلى قضية وصلت إلى محكمة الأموال العامة في عدن، وتتعلق بانتحال أكثر من 80 توجيهاً وتوقيعاً مزوراً لوكيل قطاع البعثات.
وهذه الوقائع، إن ثبتت قضائياً، تكشف أن غياب الضوابط لا يفتح الباب أمام المحسوبية فقط، بل يخلق بيئة خصبة للتزوير وانتحال الصفة والتلاعب بالوثائق الرسمية.
فحين تصبح المنحة مرتبطة بالتوجيهات الشخصية، يصبح تزوير التوجيهات طريقاً محتملاً للحصول على ما يفترض أن يكون حقاً منظماً بقانون ومعايير واضحة.
وهنا تظهر الحاجة إلى مراجعة شاملة لا تكتفي بإعلان نتائج التحقيق، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، عبر تحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من ثبت تورطه، وإعادة فحص القوائم والملفات والقرارات التي صدرت خارج آليات المنافسة القانونية.
طلاب الجنوب بين مرارة الحرب وصدمة الواسطة
الطالب الجنوبي يعيش أصلاً ظروفاً بالغة الصعوبة. فالحرب، والانقسام، وتدهور الاقتصاد، وارتفاع تكاليف التعليم، وانهيار قيمة العملة، وتأخر المرتبات، كلها عوامل جعلت التعليم الجامعي حلماً صعباً بالنسبة لآلاف الأسر.
وفي ظل هذه الظروف، تصبح المنحة الخارجية بالنسبة للطالب المتفوق فرصة قد تغير حياته بالكامل.
لكن ماذا يحدث عندما يكتشف الطالب أن معدله المرتفع قد لا يكون كافياً؟ وأن هناك أبواباً أخرى لا تُفتح إلا بالواسطة أو المال أو التوجيه؟
النتيجة الطبيعية هي الإحباط وفقدان الثقة في المؤسسات، وتحول التفوق العلمي من وسيلة للارتقاء إلى مجرد رقم لا يضمن لصاحبه شيئاً.
وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مجتمع؛ لأن الدولة التي تفقد ثقة طلابها في العدالة التعليمية، تخسر تدريجياً ثقة الأجيال القادمة في مؤسساتها كلها.
الابتعاث بحاجة إلى ثورة شفافية لا إلى ترقيع إداري
إن معالجة ملف الابتعاث لا ينبغي أن تتوقف عند تشكيل لجان المراجعة أو نشر التقارير، بل يجب أن تتحول إلى مشروع إصلاح كامل.
ويبدأ ذلك بإعلان معايير الابتعاث بوضوح، ونشر درجات المفاضلة، وإتاحة النتائج للطلاب، وإخضاع كل توجيه لمراجعة قانونية وإدارية، ومنع أي تدخلات خارج الإطار الرسمي، مع إنشاء نظام إلكتروني شفاف يتيح تتبع ملف الطالب منذ تقديم الطلب وحتى صدور قرار الابتعاث.
كما يجب أن تكون هناك جهة رقابية مستقلة تراجع القوائم، وتتحقق من صحة المعدلات والوثائق، وتمنع تضارب المصالح، وتفتح قنوات واضحة للشكاوى والتظلمات.
فالمنحة التي تُمنح لطالب مستحق ليست منّة من مسؤول، والطالب الذي يحصل عليها بجهده لا ينبغي أن يشعر بأنه مدين لشخص أو جهة. إنها حق تنظمه الدولة، ويجب أن يحصل عليه صاحبه وفق القانون.
المعركة الحقيقية هي مع الفساد الذي يسرق المستقبل
ما كشفه ملف الابتعاث، وفق ما ورد في تقرير اللجنة، يتجاوز قضية طلاب وقرارات ومنح. إنه صورة مصغرة عن أزمة أكبر، تتمثل في تسلل الفساد والمحسوبية إلى مؤسسات يفترض أن تكون حارسة لمستقبل الأجيال.
فإذا كان الطالب لا يستطيع الحصول على منحة إلا عبر واسطة، وإذا كانت المعدلات المرتفعة لا تضمن المنافسة العادلة، وإذا كان المال قادراً على الوصول إلى مقعد دراسي، فإن الخلل لم يعد في القوائم وحدها، بل في منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة بناء.
البلد لا يحتاج إلى توزيع المنح على أساس العلاقات، بل يحتاج إلى صناعة الإنسان. لا يحتاج إلى إرضاء أصحاب النفوذ، بل إلى حماية المتفوقين. ولا يحتاج إلى إخفاء القوائم خلف الأبواب المغلقة، بل إلى شفافية تجعل كل طالب يعرف لماذا حصل زميله على المنحة ولماذا لم يحصل هو عليها.
فالمستقبل لا يُبنى بالوساطة، ولا تُصنع الدول بالمال السياسي، ولا تنهض المجتمعات حين يصبح التفوق أقل قيمة من التوجيه.
ويبقى السؤال الأهم: كم من طالب متفوق حُرم من حقه لأن مقعده ذهب إلى شخص آخر؟ وكم من منحة تحولت إلى صفقة؟ وكم من حلم علمي أُغلق بابه لأن صاحبه لم يكن يملك واسطة؟
إن فتح هذا الملف ليس ترفاً إعلامياً، بل ضرورة وطنية. فحين تُسرق المنحة من مستحقها، لا يُسرق مقعد دراسي فقط، بل يُسرق جزء من مستقبل البلد

فيديو