من يدفع الدم ومن يحصد الثروة؟ الجنوب بين استنزاف الجبهات وصراع النفوذ

تقارير - منذ 3 ساعات

عين الجنوب ||خاص :
في كل مرة تتجه فيها الأنظار نحو جبهة جديدة، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: من يدفع فاتورة الحرب، ومن يحصد نتائجها؟ وبينما تتعدد الجبهات وتتغير خرائط المواجهة، يجد أبناء الجنوب أنفسهم أمام معادلة شديدة التعقيد، يُطلب منهم أن يكونوا في مقدمة الصفوف، بينما تبقى قضايا أرضهم وحقوقهم وثرواتهم وقرارهم السياسي رهينة صراعات أكبر من حدود الجبهات.
لم تعد القضية بالنسبة لكثير من الجنوبيين مجرد مشاركة عسكرية في مواجهة الحوثيين، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أوسع يتعلق بأولوية حماية الجنوب ومقدراته، وبحق أبنائه في تحديد أين يقاتلون، ولماذا يقاتلون، ومن يقرر مصيرهم بعد انتهاء المعارك.
فالتجارب السابقة تركت جراحًا عميقة، ورسخت لدى قطاعات واسعة من أبناء الجنوب قناعة بأن إرسال القوات الجنوبية إلى جبهات بعيدة لا ينبغي أن يكون قرارًا منفصلًا عن قضية الجنوب ومستقبله السياسي والأمني. فالجندي الذي يغادر أرضه للدفاع عن جبهة بعيدة يحتاج قبل كل شيء إلى ضمان أن أرضه ومجتمعه وثرواته لن تتحول في غيابه إلى ساحة أخرى للصراع والنفوذ.
وفي المقابل، تبرز الثروات الجنوبية، خصوصًا النفط والغاز والموانئ والمواقع الاستراتيجية، باعتبارها أحد أهم عناصر الصراع السياسي والاقتصادي. وهنا تتقاطع الأسئلة الأمنية مع الأسئلة الاقتصادية: من يحمي الموارد؟ من يديرها؟ أين تذهب عائداتها؟ وهل يستفيد منها المواطن الذي يعيش بالقرب من منابعها، أم تبقى الثروة جزءًا من معادلات سياسية لا يملك المواطن الجنوبي أدوات التحكم بها؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول القوة الجنوبية إلى مجرد قوة تُستدعى عند الحاجة، بينما يتم تأجيل الملفات المرتبطة بحقوق الجنوب إلى أجل غير مسمى. فالمعادلة العادلة، من منظور جنوبي، تقتضي أن يكون الدفاع عن الجنوب وأمنه واستقراره ومقدراته في مقدمة الأولويات، وأن يكون أي تحرك عسكري خارج حدوده قائمًا على قرار واضح ومصلحة واضحة وضمانات سياسية وعسكرية.
ولا يعني ذلك أن مواجهة الحوثيين ليست قضية مهمة، بل يعني أن مواجهة الخطر لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتهميش قضية الجنوب أو إبعاد قواته عن أرضها بصورة تجعلها تدفع الكلفة البشرية، بينما تتصارع أطراف أخرى على النفوذ والموارد.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحروب لا تُقاس فقط بعدد المعارك التي خاضتها القوات، وإنما بما تتركه خلفها من نتائج سياسية واقتصادية. فقد تنتهي معركة عسكرية، لكن تبدأ بعدها معركة أخرى على الأرض والثروة والقرار. ولذلك فإن الوعي بهذه الحقيقة أصبح ضرورة، خصوصًا في ظل تعدد القوى والمصالح داخل المشهد اليمني.
الجنوب لا يحتاج إلى مزيد من الاستنزاف، بل يحتاج إلى بناء مؤسسات أمنية وعسكرية قوية، وإلى إدارة شفافة لموارده، وإلى قرار سياسي يحفظ مصالح أبنائه، وإلى رؤية واضحة لمستقبله. وأي مشروع يتجاهل هذه الأولويات سيبقى عرضة للتجاذبات والصراعات.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا كان أبناء الجنوب هم من يدفعون الثمن في ساحات القتال، فمن يضمن أن تكون لهم الكلمة في تحديد مستقبل أرضهم وثرواتهم؟ فالقضية ليست فقط أين يقاتل الجنوبي، وإنما أيضًا ماذا سيحصل عليه وطنه بعد أن تصمت البنادق، ومن سيملك القرار عندما تبدأ مرحلة تقاسم النفوذ والمصالح.
ومن هنا، فإن حماية الدم الجنوبي لا تنفصل عن حماية الأرض والثروة والقرار. فالجنوب الذي يطلب من أبنائه التضحية في الميدان، من حقه أيضًا أن يطالب بأن تكون هذه التضحيات طريقًا نحو الأمن والاستقرار والعدالة، لا وقودًا لصراعات جديدة واستنزافٍ لا نهاية له.

فيديو