الجنوب وطن وهوية وقرار.. قضية لا تُختزل في جغرافيا ولا تُدار بالوصاية

تقارير - منذ 8 ساعات

عدن ، عين الجنوب ||خاص       
لم يعد الحديث عن الجنوب مجرد نقاش سياسي عابر أو قضية يمكن تجاوزها بتسويات مؤقتة أو ترتيبات مرحلية، فالمسألة الجنوبية، في جوهرها، ترتبط بثلاثة عناوين أساسية: وطن، وهوية، وقرار. وهي عناوين تختصر طبيعة الصراع الذي تشهده الساحة الجنوبية، وتفسر في الوقت ذاته تمسك قطاعات واسعة من الجنوبيين بحقهم في أن يكون لهم صوتهم وقرارهم في تحديد مستقبل أرضهم.
فالجنوب بالنسبة لأبنائه ليس مجرد مساحة جغرافية تقع في خارطة اليمن، وإنما وطن له خصوصيته التاريخية والسياسية والاجتماعية، وهوية تشكلت عبر عقود طويلة، وذاكرة جماعية لا يمكن محوها بمجرد تغيير المسميات أو فرض ترتيبات سياسية من خارج الإرادة الجنوبية.
ومن هنا، فإن أي مقاربة للقضية الجنوبية تتجاهل البعد الوطني والهوياتي للقضية، وتتعامل معها باعتبارها مجرد ملف أمني أو ورقة تفاوضية، ستظل عاجزة عن فهم جذور الأزمة. فالسياسة قد تتغير، والتحالفات قد تتبدل، والظروف الإقليمية قد تتغير، لكن قضايا الهوية والانتماء والحقوق السياسية لا يمكن اختزالها بسهولة في اتفاق مؤقت أو تفاهم بين أطراف سياسية.
ويبرز القرار الجنوبي باعتباره الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فالجنوبيون، وفق الرؤية التي تتبناها القوى المطالبة باستعادة دولتهم، لا يريدون أن يكونوا مجرد طرف ينفذ قرارات الآخرين، أو قوة عسكرية يتم استدعاؤها إلى هذه الجبهة أو تلك ثم تُترك نتائج الحرب لتقرر مستقبلهم نيابة عنهم.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح: كيف يمكن مطالبة أبناء الجنوب بالدفاع عن قضايا ومناطق خارج حدودهم، بينما تبقى قضاياهم الداخلية ومستقبل أرضهم ومواردهم وقرارهم السياسي معلقة؟ وكيف يمكن أن يُطلب من الجنوبي أن يقدم الدم في معارك لا يملك قرار تحديد أهدافها، ثم لا يكون له بالقدر نفسه حق تحديد شكل الدولة التي يريدها ومستقبل وطنه؟
هذه الأسئلة أصبحت جزءاً أساسياً من النقاش السياسي الجنوبي، خصوصاً مع استمرار الدعوات التي ترى أن حماية الجنوب تبدأ من حماية قراره المستقل، وأن أي مشاركة عسكرية أو سياسية يجب ألا تتحول إلى مدخل لإعادة إنتاج الوصاية أو فرض مشاريع لا تحظى بقبول شعبي جنوبي.
ولا يعني ذلك، بالضرورة، الانغلاق عن المحيط أو رفض العلاقات الإقليمية والدولية، بل يعني أن العلاقة مع الخارج ينبغي أن تقوم على الشراكة والمصالح المتبادلة، لا على إلغاء الإرادة المحلية. فالدول والمكونات السياسية تستطيع أن تتعاون وتتقاطع مصالحها، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب حق المجتمعات في التعبير عن تطلعاتها السياسية.
وفي هذا السياق، تكتسب الهوية الجنوبية أهمية خاصة، باعتبارها أحد المفاتيح التي يفهم من خلالها كثير من الجنوبيين موقفهم من الصراع الحالي. فالهوية ليست شعاراً انتخابياً مؤقتاً، وإنما إحساس بالانتماء والذاكرة والتاريخ والمكان، ولهذا فإن التعامل معها باعتبارها مجرد أداة سياسية قد يؤدي إلى تعميق الأزمة بدلاً من حلها.
كما أن قضية الجنوب لا يمكن فصلها عن ملف الموارد والثروات. فحين يتحدث الجنوبيون عن القرار، فإن المقصود ليس القرار السياسي فقط، وإنما أيضاً القدرة على إدارة الأرض والثروات والمؤسسات والخدمات بما يحقق مصالح السكان. ومن هنا يصبح السؤال عن من يملك القرار في الموارد والإدارة والتنمية جزءاً من السؤال الأكبر: من يملك القرار في الجنوب؟
وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل الأوضاع الاقتصادية والخدمية الصعبة التي يعيشها السكان، إذ لا يمكن لأي مشروع سياسي أن يكتسب شرعيته الحقيقية ما لم ينعكس على حياة الناس، من خلال تحسين الخدمات، ودعم الاقتصاد، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الأمن والاستقرار، وحماية الموارد من العبث والفساد.
وفي المقابل، فإن القوى الجنوبية المطالبة باستعادة الدولة تجد نفسها أمام اختبار كبير يتمثل في القدرة على تحويل الخطاب السياسي حول الوطن والهوية والقرار إلى مؤسسات وأداء ومسؤولية. فالدفاع عن القضية لا يقتصر على رفع الشعارات، بل يتطلب بناء نموذج سياسي وإداري وأمني قادر على إقناع المواطن بأن مشروع الجنوب ليس مجرد رد فعل على الماضي، وإنما رؤية لمستقبل أفضل.
ومن هذه الزاوية، فإن قوة القضية الجنوبية لا تقاس فقط بحجم المؤيدين لها أو بحضورها في الخطاب السياسي، وإنما بقدرتها على تقديم إجابات واضحة حول شكل الدولة، ومؤسساتها، وعلاقاتها الإقليمية، وآليات إدارة مواردها، وضمان حقوق جميع أبنائها، وبناء نظام سياسي يستوعب التنوع ولا يعيد إنتاج مظاهر الإقصاء.
كما أن الحفاظ على القرار الجنوبي يتطلب وحدة الصف الداخلي، لأن الانقسامات والمناكفات المناطقية والحزبية تمنح الأطراف الخارجية مساحة أكبر للتأثير في المشهد. وكلما اتسعت الخلافات الداخلية، أصبح من السهل تحويل القضية الوطنية إلى مجموعة ملفات ومصالح متنافسة، بينما تتراجع الأولوية الأساسية المتعلقة بمستقبل الجنوب.
لذلك تبدو المعركة الحقيقية، في أحد جوانبها، معركة وعي سياسي: وعي بأن الاختلاف الداخلي يمكن أن يكون طبيعياً، لكن تحويله إلى صراع يضرب فكرة الوطن ويشتت القرار يمثل خطراً على الجميع.
وفي النهاية، يمكن اختصار جوهر الموقف الجنوبي في معادلة واضحة: الوطن هو الأرض، والهوية هي الانتماء، والقرار هو القدرة على تحديد المستقبل. وأي مشروع سياسي يريد التعامل مع الجنوب بصورة واقعية لا يستطيع تجاوز هذه العناصر الثلاثة.
فالجنوب، بالنسبة لمن يتبنى مشروع استعادة دولته، ليس مجرد ورقة على طاولة التفاوض، ولا رقماً في معادلة إقليمية، ولا قوة عسكرية يمكن تحريكها وفق حسابات الآخرين؛ بل قضية وطنية يرى أصحابها أنها تستحق حلاً سياسياً عادلاً يضع إرادة أبنائها في صدارة أي تسوية مقبلة.
ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا سيحدث في الجنوب؟ بل أصبح: من سيقرر ماذا سيحدث في الجنوب؟
وهنا تحديداً تتقاطع قضية الوطن مع قضية الهوية، وتلتقي الهوية مع القرار، ليصبح مستقبل الجنوب مرتبطاً بمدى قدرة أبنائه وقواه السياسية على حماية حقهم في التعبير عن تطلعاتهم، وبناء مؤسساتهم، وتحديد خياراتهم، بعيداً عن الإملاءات والوصاية، وفي إطار سياسي يضمن الاستقرار والحقوق والشراكة.
إن الجنوب الذي يريد أبناؤه أن يكون وطناً بقراره وهويته، يحتاج قبل كل شيء إلى مشروع واضح، ومؤسسات قوية، ووحدة داخلية، وخطاب سياسي مسؤول، وقدرة على تحويل المطالب الوطنية إلى واقع سياسي قابل للحياة.
فالهوية التي لا يحميها قرار تظل مهددة، والقرار الذي لا يستند إلى وطن يظل هشاً، أما حين يلتقي الوطن بالهوية والقرار، فإن القضية تتحول من مجرد شعار سياسي إلى مشروع متكامل للمستقبل.

فيديو