تخادم حوثي–إخواني لضرب مكتسبات الجنوب؟

تقارير - منذ 7 ساعات

عدن ، عين الجنوب ||خاص       

في المشهد المعقد، لم تعد المعركة مجرد مواجهة عسكرية بين الحوثيين والقوى المناهضة لهم، بل أصبحت شبكة متداخلة من الصراعات السياسية والعسكرية والمصالح المتعارضة، وفي قلب هذه المعادلة يقف الجنوب بوصفه أحد أبرز ساحات التنافس على النفوذ ومستقبل الدولة وشكلها السياسي.
ويذهب الخطاب الجنوبي إلى أن هناك ما يمكن وصفه بـ«التخادم» بين الحوثيين وبعض القوى المحسوبة على التيار الإخواني، باعتباره تقاطعاً في المصالح أكثر من كونه تحالفاً معلناً أو اتفاقاً موثقاً. وهذه نقطة مهمة؛ فالمصادر البحثية لا تقدم دليلاً علنياً حاسماً على وجود تحالف تنظيمي مباشر بين الحوثيين وحزب الإصلاح، لكنها توثق في المقابل صراعات وتنافساً حاداً بين القوات الجنوبية والقوى المرتبطة بالإصلاح، إلى جانب اتهامات متبادلة بالتنسيق أو الاستفادة المتبادلة من إضعاف الخصوم 
وتكمن خطورة هذه المعادلة في أن الجنوب يجد نفسه أمام معركة متعددة الاتجاهات: الحوثي يمثل تهديداً عسكرياً مباشراً في الجبهات، بينما تمثل الصراعات داخل المعسكر المناهض للحوثيين تحدياً سياسياً وعسكرياً آخر، خصوصاً عندما تتحول الخلافات حول مستقبل الجنوب إلى صراع على الأرض والثروة والمؤسسات والقوات.
ومنذ سنوات، برز التنافس بين المجلس الانتقالي الجنوبي والقوى المحسوبة على حزب الإصلاح باعتباره واحداً من أهم خطوط الصراع داخل المعسكر المناهض للحوثيين. وتشير تحليلات ACLED إلى أن الإصلاح كان أحد أبرز مكونات المعسكر المدعوم سعودياً، بينما ارتبط المجلس الانتقالي بدعم إماراتي، وأن التنافس بين الطرفين امتد إلى عدن وشبوة وحضرموت ومناطق جنوبية أخرى.  
وهنا تظهر المفارقة التي يطرحها الخطاب الجنوبي بقوة: كيف يمكن أن تتحول قضية مواجهة الحوثيين إلى وسيلة لإعادة إنتاج صراعات جنوبية داخلية، بدلاً من توجيه الجهد العسكري والسياسي نحو الخطر الحوثي؟
فالجنوب، وفق هذا الطرح، لا يريد أن يكون مجرد ساحة يتم استدعاء قواته إليها كلما احتاجت الأطراف الأخرى إلى قوة عسكرية، ثم تعود تلك الأطراف نفسها إلى منافسته على أرضه ومؤسساته وموارده عندما تهدأ الجبهات.
وتزداد حساسية المسألة مع استمرار الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين. فدراسة حديثة لمكتبة مجلس العموم البريطاني تشير إلى أن ميزان القوى في جنوب اليمن شهد إعادة ترتيب كبيرة خلال أواخر 2025 ومطلع 2026، وأن المجلس الانتقالي وسّع نفوذه في مناطق جنوبية وشرقية قبل أن تستعيد قوات مدعومة من السعودية تلك المكاسب خلال يناير 2026.  
وبمعنى آخر، فإن الصراع لم يعد محصوراً في سؤال «من يواجه الحوثي؟»، بل امتد إلى سؤال أكثر عمقاً: من يملك القرار في الجنوب؟ ومن يحدد مستقبله؟ ومن يتحكم بقواته وموارده ومؤسساته؟
ومن هنا يأتي الحديث عن «التخادم» باعتباره وصفاً سياسياً لتقاطع المصالح. فقد لا يجلس الحوثي وخصومه الإخوانيون على طاولة واحدة، ولا يحتاج الأمر بالضرورة إلى اتفاق معلن؛ إذ يكفي أن تؤدي تحركات كل طرف إلى إضعاف الطرف الجنوبي الذي يشكل بالنسبة إلى بعض القوى منافساً سياسياً وعسكرياً.
وقد شهدت السنوات الماضية اتهامات متبادلة بهذا الاتجاه، خصوصاً في شبوة وأبين وحضرموت. بل إن مركز صنعاء للدراسات أشار إلى أن اتهامات الارتباط بالحوثيين أو بتنظيم القاعدة أصبحت جزءاً متكرراً من الخطاب المتبادل بين أطراف الصراع، مع التأكيد على أن كثيراً من تلك الاتهامات تستند بالضرورة إلى أدلة ميدانية حاسمة.
وهنا يجب التفريق بين التنسيق المثبت وتقاطع المصالح. فالتاريخ السياسي للحرب اليمنية يثبت وجود خصومات عميقة بين أطراف متعددة، لكنه لا يثبت تلقائياً أن كل تقدم للحوثيين أو كل تراجع لقوة جنوبية كان نتيجة اتفاق مسبق بين الحوثيين وخصومهم.
لكن بالنسبة إلى الشارع الجنوبي، فإن النتيجة النهائية هي التي تثير القلق: عندما تنشغل القوى المناهضة للحوثيين بالصراع فيما بينها، يستفيد الحوثي من تفكك خصومه؛ وعندما تتعرض القوات الجنوبية للاستنزاف في مواجهات جانبية، تتراجع قدرتها على حماية مناطقها؛ وعندما تتحول قضية الجنوب إلى ورقة تفاوضية، تصبح مكتسباته السياسية والعسكرية عرضة لإعادة التدوير وفق مصالح القوى الأكبر.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية، في نظر أنصار المشروع الجنوبي، ليست فقط معركة مواقع عسكرية، وإنما معركة على القرار والهوية والموارد والتمثيل السياسي.
فالجنوب الذي دفع ثمناً كبيراً في الحرب ضد الحوثيين يرى أن من حقه أن يسأل: هل المطلوب منه أن يقاتل في كل الجبهات، بينما يتم تأجيل قضيته السياسية إلى أجل غير مسمى؟ وهل تصبح قواته مطلوبة عندما تشتد المعارك، ثم تصبح موضع اتهام عندما تطالب بحقوق مناطقها؟ وهل يمكن بناء معسكر مناهض للحوثيين على أساس إقصاء أحد أبرز مكوناته الجنوبية؟
هذه الأسئلة ليست هامشية، خصوصاً أن دراسات متخصصة تصف الصراع اليمني بأنه مجموعة من النزاعات المتداخلة، وليس حرباً واحدة بين طرفين فقط. كما تؤكد أن المنافسة داخل المعسكر المناهض للحوثيين نفسها تؤثر في مسار الحرب وقدرة الأطراف على مواجهة الحوثيين وتنظيمات أخرى
 
وفي المقابل، فإن الحوثيين يستفيدون سياسياً وعسكرياً من استمرار الانقسامات في خصومهم. والتطورات الميدانية الأخيرة تؤكد أن الجماعة ما زالت قادرة على فتح جبهات نشطة واستغلال حالة التشظي العسكري؛ فقد شهدت الأيام الأخيرة تصعيداً كبيراً على جبهات الساحل الغربي وتعز، مع سقوط عشرات القتلى والجرحى 
وهنا تكمن المفارقة: بينما يفترض أن يكون الهدف الرئيسي هو إنهاء سيطرة الحوثيين، يمكن للصراع الداخلي بين القوى المناهضة لهم أن يتحول إلى عامل يطيل أمد الحرب ويمنح الحوثيين فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم واستثمار الخلافات بين خصومهم.
ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن مكتسبات الجنوب لا يعني بالضرورة رفض مواجهة الحوثيين، بل يعني ـ وفق الرؤية الجنوبية ـ رفض تحويل مواجهة الحوثي إلى ذريعة لتصفية الحسابات السياسية مع الجنوب أو إعادة فرض ترتيبات سياسية وعسكرية لا تحظى بقبول أبنائه.
فالجنوب لا يمكن أن يكون «خزاناً بشرياً» للحروب المفتوحة، ولا قوة احتياطية يتم استدعاؤها عند الحاجة ثم إبعادها عن صناعة القرار عندما تبدأ مفاوضات ما بعد الحرب.
وإذا كان هناك مشروع حقيقي لبناء جبهة يمنية تواجه الحوثيين، فإن هذه الجبهة تحتاج قبل كل شيء إلى معالجة التناقضات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، والاعتراف بأن القضية الجنوبية ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه أو تأجيله إلى ما لا نهاية.
أما استمرار سياسة الاستنزاف المتبادل، وتغذية الخصومات بين القوى الجنوبية والقوى الشمالية، فإن نتيجته لن تكون سوى إضعاف الجميع، وفي مقدمتهم الجنوب، بينما يجد الحوثي نفسه أمام خصوم منشغلين بصراعاتهم الداخلية.
ولهذا فإن الرسالة التي يرفعها أنصار الجنوب واضحة: لا يمكن حماية الجنوب بإضعاف قواته، ولا مواجهة الحوثي بإشعال صراعات داخلية، ولا بناء مستقبل مستقر على تجاهل القضية الجنوبية.
وإذا كان الحديث عن «التخادم الحوثي–الإخواني» يُطرح اليوم بوصفه قراءة سياسية لتقاطع المصالح، فإن الاختبار الحقيقي ليس في الشعارات والاتهامات، بل في الوقائع على الأرض: من يواجه الحوثي فعلياً؟ من يستفيد من إضعاف القوات الجنوبية؟ من يعرقل توحيد الجبهة؟ ومن يدفع باتجاه إعادة إنتاج صراعات الماضي بدلاً من بناء ترتيبات سياسية وعسكرية تضمن لكل طرف حقوقه؟
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الجنوب لن يستطيع حماية مكتسباته بمجرد الخطابات، وإنما بوحدة صفه، وتماسك مؤسساته، ووضوح مشروعه السياسي، وتجنب الانجرار إلى صراعات جانبية تخدم خصومه أكثر مما تخدم قضيته. فالمعركة ليست فقط مع من يرفع البندقية في وجه الجنوب، وإنما أيضاً مع كل مشروع يسعى إلى تحويل الجنوب إلى ساحة صراع مفتوحة أو ورقة تفاوضية مؤقتة.
فالجنوب، وفق هذه الرؤية، لا يريد أن يكون وقوداً لمعارك الآخرين؛ يريد أن يكون شريكاً في تحديد مستقبل المنطقة، وصاحب قرار في أرضه وثرواته ومستقبله السياسي

فيديو