سنوات من التحرير.. وأيام من التفريط: من المسؤول عن تسليم الساحل الغربي للحوثي

الجنوب - منذ 1 ساعة

عدن || عين الجنوب      


ما يحدث اليوم في اليمن ليس مجرد خسارة معركة، ولا «إعادة تموضع» يمكن تبريرها ببيان عسكري بارد.

ما يحدث هو فشل سياسي وعسكري يجب أن يُسمّى باسمه.

لقد دُفعت أثمان باهظة لتحرير الأرض اليمنية من الحوثيين. سقط رجال، وأُنفقت أموال، وخيضت معارك قاسية، وكانت الإمارات والقوات الجنوبية والقوى اليمنية التي قاتلت إلى جانبها في مقدمة من خاضوا تلك المواجهات على الأرض.

وعندما خفّضت الإمارات وجودها العسكري المباشر في اليمن عام 2019، تركت خلفها واقعاً ميدانياً كان يمكن البناء عليه، وقوات محلية اكتسبت خبرة قتالية، ومناطق استراتيجية انتُزعت من الحوثي بعد معارك وتضحيات كبيرة.

فماذا حدث بعد ذلك؟

كيف وصلنا، بعد كل تلك التضحيات، إلى مشهد يعود فيه الحوثي إلى المخا والساحل الغربي وباب المندب؟

ومن المسؤول عن تحويل سنوات من القتال والتحرير إلى مكاسب يستعيدها الحوثي بهذه السرعة؟

لا يكفي اليوم أن تشير الحكومة اليمنية إلى الحوثي وإيران.

نعرف من هو الحوثي، ونعرف من يدعمه.

لكن السؤال الحقيقي هو:

ماذا فعلتم أنتم لمنعه؟

أين كانت الخطط العسكرية؟

أين كانت الاستخبارات؟

أين كانت خطوط الدفاع؟

أين كانت القوات والقيادات التي يفترض أن تحمي هذه المناطق؟

وأين كانت الاستراتيجية السعودية بعد كل هذه السنوات من إدارة الملف اليمني؟

السعودية قادت التحالف العربي، ودعمت الحكومة اليمنية سياسياً وعسكرياً، ولذلك لا يمكن أن تحصل على صفة القيادة عند الإنجازات ثم تُعفى من المسؤولية عند الإخفاقات.

القيادة مسؤولية قبل أن تكون لقباً.

ومن حق الجميع اليوم أن يسأل الرياض:

كيف تمكن الحوثي من تحقيق هذا الاختراق في واحدة من أخطر المناطق الاستراتيجية في اليمن؟

كيف تُترك جبهات بهذه الحساسية حتى يصبح باب المندب نفسه جزءاً من معركة السيطرة؟

وكيف تحول معسكر يفترض أنه يقاتل عدواً واحداً إلى قوى متفرقة، وقرارات مترددة، وحسابات متناقضة، بينما الحوثي يعرف تماماً ماذا يريد ويتحرك نحوه؟

هذه ليست مشكلة نقص سلاح.

وليست مشكلة نقص أموال.

إنها أزمة قرار وإدارة واستراتيجية.

والحكومة اليمنية تتحمل بدورها مسؤولية ثقيلة.

فلا يمكن لحكومة أن تطالب العالم باستعادة دولتها بينما تعجز عن توحيد معسكرها العسكري والسياسي.

ولا يمكن أن تبقى «الشرعية الدولية» شماعة تُعلّق عليها سنوات من العجز.

الشرعية الحقيقية لا تُقاس بعدد البيانات والاجتماعات، وإنما بقدرة الدولة على حماية أرضها وشعبها.

والمؤلم أن الأرض التي يُعاد فقدانها اليوم لم تكن مجانية.

هناك رجال ماتوا لتحريرها.

هناك عائلات فقدت أبناءها.

وهناك دماء يمنية وإماراتية سالت في مواجهة الحوثي والتنظيمات المتطرفة.

ولهذا فإن التفريط في تلك المكاسب ليس مجرد خطأ على الخريطة، بل إهدار لتضحيات سنوات كاملة.

والمفارقة المؤلمة أن الحوثي استثمر سنوات الهدوء في إعادة ترتيب أوراقه، بينما استُنزف خصومه في الخلافات وإعادة تشكيل التحالفات والصراعات الداخلية.

النتيجة أمامنا اليوم:

الحوثي يتقدم، وخصومه يعيدون التموضع.

الحوثي يفرض واقعاً جديداً، والآخرون يصدرون البيانات.

الحوثي يعرف هدفه، بينما لا يزال المعسكر المقابل مختلفاً على الاتجاه.

والأخطر أن المسألة لم تعد تتعلق بمدينة يمنية هنا أو مديرية هناك.

نحن نتحدث عن الساحل الغربي وباب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

وهنا يصبح السؤال الموجّه إلى المملكة العربية السعودية أكثر إلحاحاً:

بعد كل هذه السنوات، ما هي استراتيجيتكم في اليمن؟

هل هي هزيمة الحوثي؟

احتواؤه؟

التفاوض معه؟

حماية الحكومة اليمنية؟

إدارة التوازن بين القوى اليمنية؟

أم انتظار أن تفرض التطورات الميدانية استراتيجية جديدة كل مرة؟

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في الحرب هو أن يعرف عدوك ماذا يريد بينما لا تعرف أنت ماذا تريد.

السعودية دولة كبرى وثقل عربي لا يمكن إنكاره، وانتقاد سياستها في اليمن ليس انتقاصاً من المملكة ولا من شعبها.

لكن احترام الدول لا يعني الصمت عن أخطائها.

ومن يحترم السعودية يجب أن يطالبها بمراجعة سياسة أوصلت الملف اليمني إلى هذا المشهد الخطير.

كما أن الحكومة اليمنية مطالبة بأن تواجه شعبها بالحقيقة، لا بالتبريرات.

من أخطأ؟

من قصّر؟

من أصدر قرارات الانسحاب؟

لماذا انهارت الجبهات؟

ولماذا لم تكن هناك خطط جاهزة لصد هجوم كان يفترض أن احتمال وقوعه معروف منذ سنوات؟

هذه الأسئلة لا تجيب عنها عبارة «إعادة التموضع».

لأن الحوثي لا يهتم بمصطلحات البيانات العسكرية.

هو ينظر إلى الأرض.

والأرض هي التي تحكم في النهاية.

لقد احتاج تحرير مناطق يمنية إلى دماء وسنوات، لكن خسارتها اليوم تكشف أن تحرير الأرض من دون مشروع يحميها ليس نصراً دائماً

فيديو