مفارقة النفوذ والوصاية.. لماذا يزعجهم التمدد الجنوبي ويغيبهم استيلاء الحوثي؟

تقارير - منذ ساعتان

عدن ، عين الجنوب|| خاص          

تتزايد التساؤلات حول طبيعة المواقف التي تتخذها بعض القوى السياسية والاجتماعية في الشمال تجاه التطورات العسكرية والسياسية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالجنوب ومناطقه وثرواته وموقعه الاستراتيجي. فبعد سنوات طويلة من متابعة الخطاب السياسي والمواقف الميدانية، يبرز سؤال أكثر عمقًا من مجرد البحث عن الطرف الذي سيحكم صنعاء: هل يتمثل جوهر الصراع لدى هذه القوى في استعادة الدولة والسيطرة على العاصمة، أم في إبقاء الجنوب داخل دائرة النفوذ والوصاية؟
ويرى منتقدون لهذه المواقف أن التناقض يصبح أكثر وضوحًا عند مقارنة ردود الفعل تجاه تحركات القوات الجنوبية في المناطق الجنوبية، ولا سيما حضرموت والمهرة، مع ردود الفعل تجاه تمدد الحوثيين وسيطرتهم على مناطق واسعة في الشمال والساحل الغربي. فعندما تتقدم القوات الجنوبية وتفرض حضورها على أرض جنوبية، ترتفع الأصوات والتحذيرات وتتصاعد الحملات السياسية والإعلامية، بينما تبدو ردود الفعل تجاه خسارة مناطق أخرى أكثر هدوءًا، وغالبًا ما يجري تقديمها باعتبارها نتيجة للظروف أو الحسابات السياسية أو التفاهمات المرحلية.
هذه المفارقة تفتح الباب أمام قراءة مختلفة للمشهد، مفادها أن القضية بالنسبة لبعض القوى لا تتعلق فقط بمن يسيطر على صنعاء، بقدر ما تتعلق بمستقبل الجنوب وموقعه في المعادلة السياسية القادمة. فكلما اقترب الجنوب من امتلاك قراره السياسي والأمني والعسكري، ظهرت مخاوف لدى أطراف ترى أن خروج الجنوب من دائرة نفوذها سيعيد رسم موازين القوى بصورة يصعب التراجع عنها.
وفي المقابل، يلفت مراقبون إلى أن سيطرة الحوثيين على مناطق واسعة لم تؤدِ دائمًا إلى مستوى مماثل من الاستنفار السياسي والإعلامي لدى بعض الأطراف، وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول الأولويات الحقيقية. فإذا كان الهدف المعلن هو مواجهة المشروع الحوثي واستعادة الدولة، فلماذا لا تتساوى حساسية المواقف تجاه توسع الحوثيين مع حساسيتها تجاه تحركات القوى الجنوبية داخل مناطق الجنوب؟
ويزداد الجدل حدة عندما يتعلق الأمر بحضرموت والمهرة، باعتبارهما منطقتين تتمتعان بثقل جغرافي واقتصادي واستراتيجي كبير. فكل تحرك عسكري أو سياسي فيهما يتحول سريعًا إلى قضية إقليمية ومحلية واسعة، بينما لا تحظى بعض التطورات الأخرى بالاهتمام ذاته، الأمر الذي يدفع خصوم تلك القوى إلى القول إن المسألة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة لتصل إلى مستقبل النفوذ والثروة والموقع الجغرافي.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن جميع القوى الشمالية تتحرك وفق رؤية واحدة، فالمشهد الشمالي نفسه مليء بالانقسامات والتناقضات، وهناك أطراف وقوى وشخصيات ترفض الحوثيين وتدعم حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم. لكن الإشكالية تكمن في خطاب بعض القوى التي تتعامل مع الجنوب باعتباره مساحة نفوذ لا طرفًا سياسيًا له قضية وحقوق ومطالب، وهو ما يجعل أي محاولة لإعادة إنتاج الوصاية سببًا مباشرًا في اتساع الفجوة السياسية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن التعامل مع القضية الجنوبية بمنطق التأجيل أو الاحتواء لم يعد قادرًا على إنتاج تسوية مستقرة. فالجنوب لم يعد مجرد ملف يمكن وضعه على هامش المفاوضات، كما أن الحديث عن مستقبل البلاد دون معالجة جذور القضية الجنوبية سيظل ناقصًا مهما تعددت المبادرات والاتفاقات.
ومن هنا، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا لم يعد فقط: من سيحكم صنعاء؟ بل: هل ستقبل القوى السياسية في الشمال بأن يكون للجنوب قرار مستقل في تحديد مستقبله السياسي؟ وهل ستتعامل معه بوصفه طرفًا أصيلًا في أي تسوية قادمة، أم ستستمر في محاولة إبقائه داخل معادلة النفوذ القديمة؟
فالقبول بتعدد مراكز القوة في الشمال، أو الدخول في تفاهمات مع خصوم الأمس، لا يمكن أن يقابله في الوقت ذاته رفض حق الجنوب في تحديد مستقبله. وإذا كانت التسويات السياسية ممكنة في مناطق أخرى، فإن منطق التسوية ينبغي أن يشمل القضية الجنوبية أيضًا، بعيدًا عن لغة الوصاية والإملاءات.
وفي نهاية المطاف، فإن استمرار التعامل مع الجنوب باعتباره ساحة نفوذ لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وإطالة أمد الصراع. أما الاعتراف بالواقع السياسي والجغرافي الجديد، وفتح مسار حقيقي لمعالجة قضية الجنوب، فقد يكون المدخل الأكثر واقعية لبناء تسوية عادلة ومستقرة، تحفظ مصالح شعوب المنطقة وتضع حدًا لدورات الصراع التي أثبتت السنوات الماضية أنها لا تنتج إلا مزيدًا من الانقسام والمعاناة.

فيديو