الجنوب يدفع ثمن المعارك من دماء أبنائه.. فهل يحصد الآخرون مكاسب السياسة والتسوية؟

تقارير - منذ 5 ساعات

عين الجنوب || خاص                 

في معادلة الحرب والسلام التي تشهدها المنطقة، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة على المشهد الجنوبي: إلى متى ستظل القوات الجنوبية في مقدمة المواجهات العسكرية، وتقدم التضحيات الكبيرة في معارك مصيرية، بينما تبقى الاستحقاقات السياسية المرتبطة بقضية شعب الجنوب معلقة، وتظل حقوقه الوطنية رهينة حسابات القوى المتنفذة وتفاهماتها المتغيرة؟ سؤال لا يتعلق فقط بطبيعة المعارك وأهدافها، بل بمستقبل الجنوب وحق شعبه في تقرير مصيره واستعادة دولته.
لقد أثبتت القوات الجنوبية، خلال السنوات الماضية، قدرتها على مواجهة التهديدات الأمنية والعسكرية، وخاضت معارك صعبة دفاعاً عن أرضها، وأسهمت في التصدي للجماعات المسلحة والمشروعات التي تهدد أمن الجنوب واستقراره. غير أن هذه التضحيات تفتح الباب أمام تساؤلات سياسية مشروعة حول طبيعة الدور المطلوب من هذه القوات، وحدود مشاركتها في المعارك التي تتجاوز جغرافية الجنوب، والضمانات التي ينبغي أن تكون حاضرة قبل الدخول في أي مواجهة جديدة.
وتتضاعف حساسية هذه المعادلة عندما يُطلب من القوات الجنوبية أن تكون رأس الحربة في معارك استعادة مناطق خارج حدود الجنوب، في الوقت الذي لا تزال فيه القضية الجنوبية تنتظر تسوية سياسية واضحة تضمن لشعب الجنوب حقه في تقرير مستقبله، بعيداً عن سياسة التأجيل والمماطلة أو إخضاع تطلعاته الوطنية لمساومات لا تراعي خصوصية قضيته وأهدافها.
فليس من المنطقي أن تتحمل القوات الجنوبية العبء الأكبر من المواجهات، وأن تدفع من دماء أبنائها ثمناً باهظاً في ساحات القتال، ثم تجد نفسها أمام تسويات سياسية لا تعكس حجم ما قدمته من تضحيات، أو قرارات تُتخذ بعيداً عن إرادة شعبها وتطلعاته. فالانتصار العسكري، مهما بلغت أهميته، يظل ناقصاً إذا لم يُترجم إلى مكاسب سياسية واضحة تحمي الحقوق الوطنية وتمنع الالتفاف عليها في مراحل التفاوض.
إن التجارب السابقة تقدم دروساً لا ينبغي تجاهلها، وفي مقدمتها أن القوة العسكرية التي بُنيت بجهود أبناء الجنوب وتضحياتهم ليست رصيداً مفتوحاً يوضع تحت تصرف الآخرين دون رؤية سياسية محددة، وليست وسيلة لتعويض إخفاقات أطراف أخرى أو معالجة اختلالاتها العسكرية والسياسية. إنها قوة وطنية ترتبط مسؤوليتها الأولى بحماية الجنوب وأمنه واستقراره، ويجب أن يكون أي قرار يتعلق باستخدامها منطلقاً من حسابات واضحة تراعي المصالح العليا لشعب الجنوب وقضيته.
ومن هنا، فإن أي مشاركة جنوبية في معارك خارج أرض الجنوب ينبغي أن تقوم على قرار سياسي وعسكري جنوبي واضح ومستقل، وأن ترتبط بأهداف محددة وضمانات صريحة ومكتوبة، تحدد طبيعة المهمة وحدودها والنتائج السياسية المترتبة عليها. فالمسألة لا تتعلق برفض مواجهة التهديدات أو التنصل من المسؤوليات الأمنية، وإنما بضمان ألا تتحول التضحيات الجنوبية إلى أوراق تفاوضية يستفيد منها الآخرون، فيما تبقى قضية الجنوب مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
كما أن الحديث عن الشراكة والمصير المشترك لا يمكن أن يظل مجرد شعارات تُرفع عند الحاجة إلى القوات الجنوبية، ثم تتراجع أهميتها عندما يحين وقت توزيع المكاسب وصياغة التفاهمات السياسية. فالشراكة الحقيقية لا تُقاس بعدد المقاتلين الذين يشاركون في المعارك، ولا بحجم التضحيات التي يقدمها طرف دون غيره، وإنما بمدى احترام إرادة الشعوب، والاعتراف بحقوقها، وإشراكها بصورة فعلية في تحديد الأهداف ورسم مستقبل المنطقة.
وإذا كانت القوات الجنوبية شريكاً أساسياً في مواجهة التهديدات التي تستهدف الأمن والاستقرار، فمن الطبيعي أن يكون للجنوب حضور مؤثر في تحديد طبيعة هذه المواجهات ونتائجها السياسية. ولا يمكن القبول بمعادلة تجعل الجنوب حاضراً بقوة في ساحات القتال، ثم تغيب قضيته عن طاولات التفاوض، أو تجعله طرفاً مطالباً بالتنازل عن حقوقه مقابل وعود غير مضمونة.
وتكمن الخطورة الحقيقية في أن مرحلة ما بعد المعارك قد تكون أكثر حساسية من المواجهات نفسها؛ إذ تتجه الأطراف السياسية إلى إعادة ترتيب أوراقها، وتبدأ المساومات حول النفوذ والمواقع والضمانات، وقد تتحول الانتصارات الميدانية إلى عناصر ضغط تستخدمها القوى الأكثر نفوذاً لتعزيز مواقعها في التسوية النهائية. وفي مثل هذه الظروف، يصبح غياب الضمانات السياسية خطراً حقيقياً على أي طرف يقدم تضحيات كبيرة دون أن يمتلك رؤية واضحة لما سيحصل عليه في نهاية الطريق.
والجنوب، الذي يمتلك قضية وطنية ذات جذور تاريخية وإرادة شعبية معلنة، لا ينبغي أن يسمح بأن يصبح مجرد قوة عسكرية يُستدعى دورها عند اشتداد المواجهات، ثم يُترك مصير قضيته لتوازنات المصالح الإقليمية والدولية. فحق شعب الجنوب في تقرير مستقبله ليس مكافأة تُمنح له مقابل مشاركته في الحرب، ولا ورقة يمكن استخدامها للمساومة، بل قضية سياسية ووطنية يجب أن تكون حاضرة بوضوح في أي مسار جاد للتسوية.
ومن هذا المنطلق، فإن حماية المكتسبات الجنوبية تتطلب الجمع بين الجاهزية العسكرية والوضوح السياسي، وبين القدرة على مواجهة التهديدات والاستعداد للتعامل مع استحقاقات المرحلة المقبلة. كما تتطلب تحصين القرار الجنوبي من الضغوط، وتعزيز وحدة الصف، وتحديد الأولويات الوطنية بصورة تمنع استنزاف القدرات العسكرية في معارك لا تتضح نتائجها السياسية أو لا تتوافر بشأنها ضمانات كافية.
ولا يعني ذلك أن الجنوب يتجاهل المخاطر التي تهدد المنطقة، أو يقلل من أهمية التعاون في مواجهة التهديدات المشتركة، بل يعني أن التعاون يجب أن يقوم على أسس عادلة ومتوازنة، تحفظ لكل طرف حقوقه وتحدد التزاماته. فلا يمكن بناء شراكة مستقرة على أساس أن يقدم طرف التضحيات ويتحمل الخسائر، بينما يحتفظ الآخرون بحق تقرير النتائج النهائية وتوزيع المكاسب وفق مصالحهم الخاصة.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل التحديات التي تواجه الجنوب، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو الخدمي، إذ لا يستطيع المواطن الجنوبي أن يظل محاصراً بين أعباء المعيشة وتداعيات الصراع، فيما تُترك القضايا السياسية الأساسية دون حلول واضحة. فالمطلوب ليس فقط حماية الأرض من التهديدات، بل أيضاً حماية مستقبل الشعب وحقوقه السياسية، وضمان أن تفضي التضحيات إلى واقع أكثر استقراراً وعدالة، لا إلى جولات جديدة من الانتظار والوعود المؤجلة.
إن المسؤولية الملقاة على عاتق القيادة الجنوبية تتمثل في استخلاص الدروس من التجارب السابقة، ووضع معايير واضحة لأي التزامات عسكرية مقبلة، بحيث لا تنفصل القرارات الميدانية عن الأهداف الوطنية. كما أن من الضروري أن تكون أي تفاهمات سياسية مرتبطة بضمانات قابلة للتحقق، لا بتعهدات عامة يمكن تأويلها أو التراجع عنها عندما تتغير المصالح والحسابات.
وفي المقابل، فإن الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بمستقبل المنطقة مطالبة بالتعامل مع قضية الجنوب باعتبارها قضية سياسية قائمة بذاتها، لا مجرد ملف فرعي يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء المعارك. فالاستقرار الدائم لا يتحقق بتجاهل تطلعات الشعوب، ولا بتكريس معادلات القوة وحدها، وإنما بمعالجة جذور الصراعات والاعتراف بالحقوق المشروعة وإيجاد تسويات تحظى بالقبول وتمنع تجدد المواجهات.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي معركة جديدة ليس فقط: ما الذي يمكن للقوات الجنوبية تحقيقه ميدانياً؟ بل أيضاً: ما الذي سيضمنه الجنوب سياسياً بعد انتهاء المعركة؟ ومن سيحمي حقوقه عندما تتحول البنادق إلى أوراق تفاوض، وتبدأ الأطراف في رسم ملامح التسوية؟ فالإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن تكون واضحة قبل تقديم أي التزامات جديدة، لا أن تُترك لما ستسفر عنه الظروف بعد فوات الأوان.
إن الجنوب لا يرفض أن يكون طرفاً فاعلاً في معادلات الأمن والاستقرار، لكنه يرفض أن تكون تضحيات أبنائه بلا أفق سياسي واضح، أو أن تتحول انتصارات قواته إلى مكاسب للآخرين وحدهم. فالقوة العسكرية التي تحمي الأرض يجب أن تسندها إرادة سياسية تحمي الحقوق، والدماء التي تُبذل في الميدان يجب أن تكون حاضرة في حسابات التسوية، لا أن تُنسى بمجرد توقف المدافع.
فالجنوب لا يحتاج إلى وعود جديدة بقدر حاجته إلى ضمانات واضحة، ولا يكفي أن ينتصر في المعارك إذا كان الآخرون سيقررون وحدهم نتائجها. إن حماية القضية الجنوبية تبدأ من استقلال القرار، ووضوح الأهداف، وربط أي تضحيات مقبلة باستحقاقات سياسية حقيقية، حتى لا يبقى الجنوب في مقدمة المعارك، بينما يقف في نهاية الطابور عندما يحين موعد اقتسام المكاسب

فيديو