​سلاح الجنوبيين وشروطهم.. لا مشاركة عسكرية دون ضمانات سياسية لحق تقرير المصير

تقارير - منذ 4 ساعات

عدن ، عين الجنوب || خاص          

تعود قضية شعب الجنوب إلى واجهة المشهد السياسي والعسكري في المنطقة، في ظل تطورات متسارعة تعيد رسم ملامح العلاقة بين الأطراف الإقليمية والقوى المناهضة لمليشيا الحوثي، وسط حديث عن تفاهمات سعودية إماراتية جديدة تتعلق باستئناف دعم القوات العسكرية، وفتح الباب أمام ترتيبات ميدانية قد تحمل انعكاسات مهمة على مستقبل الجنوب العربي وحق شعبه في تقرير مصيره.
وفي تطور لافت، كشفت صحيفة «الغارديان» البريطانية، في تقرير نشرته السبت 17 أكتوبر 2026، عن تفاهمات يُقال إنها تقضي باستئناف دولة الإمارات العربية المتحدة دفع رواتب بعض القوات المناهضة للحوثيين، وفي مقدمتها القوات الجنوبية، مقابل توفير المملكة العربية السعودية غطاءً جوياً لهذه القوات، في خطوة تعكس، وفق ما أورده التقرير، محاولات لإعادة تنسيق الجهود العسكرية في مواجهة التصعيد الحوثي المتزايد.
ويأتي الحديث عن هذه التفاهمات في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعداً في التهديدات الأمنية، مع استمرار الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي تنفذها جماعة الحوثي المدعومة من إيران، واتساع المخاوف الخليجية من تداعيات تقدمها العسكري على أمن المنطقة والمنشآت الحيوية والممرات البحرية الدولية. غير أن أهمية هذه التطورات لا تتوقف عند الجانب العسكري، بل تمتد إلى القضية الجنوبية التي بات مستقبلها السياسي، وفق ما طرحه التقرير البريطاني، عاملاً مؤثراً في تحديد طبيعة مشاركة القوات الجنوبية في أي معارك خارج حدود الجنوب.
وفي قلب هذه المعادلة، يبرز مطلب استفتاء تقرير المصير باعتباره أحد أهم الملفات التي يطرحها الجنوبيون لتحديد مستقبلهم السياسي، واستعادة حقهم في تقرير شكل دولتهم بعيداً عن فرض الحلول أو تجاوز الإرادة الشعبية. فقد أعاد التقرير التذكير بحدود دولة الجنوب التي كانت قائمة بين عامي 1967 و1990، مشيراً إلى أن المطالب الجنوبية بإجراء استفتاء حول المستقبل السياسي للجنوب ما تزال حاضرة بقوة، رغم عدم التوصل إلى اتفاق رسمي معلن بشأن هذا الاستحقاق.
وبحسب ما نقلته «الغارديان»، فإن التوصل إلى تفاهم واضح يسمح بإجراء استفتاء على تقرير المصير قد يفتح المجال أمام تغيير موقف المجلس الانتقالي الجنوبي من مشاركة قواته في العمليات العسكرية خارج حدود الدولة الجنوبية السابقة. ويعكس ذلك، وفق التقرير، ارتباطاً وثيقاً بين الدور العسكري للقوات الجنوبية ومستقبل القضية الوطنية الجنوبية، في ظل تمسك الجنوبيين بضرورة وجود أفق سياسي واضح يضمن عدم تحويل تضحياتهم العسكرية إلى مجرد رصيد تستخدمه أطراف أخرى لتحقيق أهدافها، من دون معالجة القضية التي قدموا من أجلها التضحيات.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أن القوات الجنوبية لا تنظر إلى مشاركتها في أي مواجهة عسكرية من زاوية الميدان وحده، بل من زاوية ما يترتب على تلك المشاركة من ضمانات سياسية وأمنية تتصل بمستقبل الجنوب. فالمشاركة في معارك تتجاوز حدود الجنوب ليست، وفق هذا المنظور، قراراً عسكرياً منفصلاً عن القضية الوطنية، وإنما ترتبط بحسابات تتعلق بالحقوق السياسية، وضمانات عدم الالتفاف على تطلعات الشعب الجنوبي، وتحديد طبيعة الترتيبات التي ستلي أي تحولات عسكرية واسعة.
ومن هنا، فإن أي تفاهمات إقليمية جديدة لن تكون كافية، في نظر الجنوبيين، ما لم تتضمن معالجة جادة للقضية الجنوبية، وتفتح الطريق أمام مسار سياسي واضح يحترم إرادة شعب الجنوب وحقه في اختيار مستقبله. فالمعادلة التي يطرحها هذا المشهد تقوم على أن التضحيات العسكرية لا ينبغي أن تكون بديلاً عن الحل السياسي، وأن المشاركة في مواجهة الحوثيين لا تعني التنازل عن الحقوق الوطنية أو تأجيلها إلى أجل غير معلوم.
وفي سياق متصل، سلط التقرير البريطاني الضوء على الدور الذي تؤديه ألوية العمالقة الجنوبية، واصفاً إياها بأنها من أبرز التشكيلات العسكرية الفاعلة في المعسكر المناهض للحوثيين، مشيراً إلى ما تلقته من تدريب وتمويل من دولة الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الماضية. ويأتي هذا الدور في ظل ما يشهده المعسكر المناهض للحوثيين من انقسامات وتباينات سياسية وعسكرية، الأمر الذي يجعل القوات الجنوبية رقماً مهماً في أي ترتيبات تهدف إلى إعادة تنظيم المواجهة الميدانية.
وأشار التقرير إلى أن الإمارات أوقفت تمويل هذه القوات عقب انسحابها من العمليات العسكرية داخل اليمن في يناير الماضي، على خلفية الخلافات التي تصاعدت بينها وبين السعودية بشأن مستقبل المشهد السياسي والعسكري، ودور المجلس الانتقالي الجنوبي. لكنه تحدث عن مؤشرات على تفاهمات جديدة قد تسمح باستئناف التمويل لبعض القوات، مقابل توفير غطاء جوي سعودي، في إطار مساعٍ لإعادة تنسيق التحركات العسكرية في مواجهة الحوثيين.
وكانت الصحيفة قد أشارت في تقرير سابق إلى وجود تنسيق بين ألوية العمالقة الجنوبية وسلاح الجو السعودي خلال عمليات على الساحل الغربي، معتبرة أن مشاركة القوات الجنوبية في تلك العمليات قد تكون مرتبطة بحسابات تتصل بمستقبل الجنوب السياسي. وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تكشف عن أن الدور العسكري الجنوبي لا يمكن فصله عن التوازنات الإقليمية، ولا عن المطالب السياسية التي يضعها الجنوبيون في مقدمة أولوياتهم.
وعلى الرغم من الحديث عن تقارب سعودي إماراتي محتمل، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء الخلافات بشأن مستقبل الجنوب أو التوصل إلى تسوية نهائية حول قضية تقرير المصير. فالتفاهمات العسكرية، حتى إن دخلت حيز التنفيذ، تظل مختلفة عن الاتفاقات السياسية الملزمة، ولا يمكن اعتبارها دليلاً على موافقة رسمية على إجراء استفتاء ما لم يصدر موقف واضح ومعلن من الأطراف المعنية.
وتناول التقرير جانباً من الخلافات التي شهدتها العلاقات السعودية الإماراتية خلال الأشهر الماضية، والتي وصلت إلى مرحلة شديدة التعقيد في يناير، وفق ما أوردته الصحيفة، على خلفية التطورات العسكرية والسياسية المرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي ومساعيه المتعلقة بمستقبل الجنوب. كما أشار إلى مغادرة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي إلى أبوظبي عقب تلك الأحداث، وإلى غياب الاتصالات المباشرة بينه وبين المسؤولين السعوديين، بحسب المعلومات التي نقلها التقرير.
وفي أعقاب تلك التطورات، أعلنت الإمارات انسحابها من تدخلها العسكري في اليمن، فيما تحدث التقرير عن إجراءات ومواقف اتخذتها الحكومة المدعومة من السعودية تجاه قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي. وقد تركت هذه الأحداث أسئلة عديدة بشأن مستقبل العلاقة بين الأطراف الإقليمية، وحدود الدور الذي يمكن أن تؤديه القوات الجنوبية في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل استمرار التهديدات الحوثية وتصاعد الحاجة إلى ترتيبات عسكرية أكثر تنسيقاً.
ومع ذلك، فإن أي تقارب سعودي إماراتي يظل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الأطراف المعنية للتعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية ذات جذور تاريخية وإرادة شعبية، وليس مجرد ملف يمكن تأجيله أو استخدامه في إطار المساومات العسكرية. فالاستقرار المستدام لا يتحقق من خلال التفاهمات الأمنية وحدها، وإنما يحتاج إلى معالجة الأسباب السياسية التي أبقت القضية الجنوبية في صدارة المشهد طوال السنوات الماضية.
وعلى الصعيد العسكري، أشار التقرير إلى مخاوف إماراتية من استمرار تقدم الحوثيين باتجاه تعز ومأرب، وهما من أبرز مناطق المواجهة خارج حدود دولة الجنوب السابقة. كما تحدث عن إعلان الحكومة المعترف بها دولياً عن هجوم مضاد يهدف إلى طرد الحوثيين من صنعاء، مع الإشارة إلى أن النتائج الميدانية ظلت محدودة في محيط مجزر بمحافظة مأرب ومناطق قريبة من باب المندب، وفق ما أورده التقرير.
وتضع هذه التطورات القوات الجنوبية أمام معادلة دقيقة، إذ يتطلب التصعيد الحوثي تنسيقاً عسكرياً فعالاً لمواجهة التهديدات، بينما تتطلب القضية الجنوبية ضمانات سياسية تمنع تجاوز حق شعب الجنوب في تقرير مصيره. وبين هذين المسارين، يظل السؤال الأساسي متعلقاً بطبيعة الاتفاق الذي يمكن أن ينظم مشاركة القوات الجنوبية، والضمانات التي سترافق أي تحرك عسكري خارج نطاق الجنوب.
وتزداد أهمية هذه المعادلة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي الذي يحتله الجنوب العربي، الممتد على سواحل مهمة وممرات بحرية ذات أهمية دولية، وفي مقدمتها منطقة باب المندب. فالتطورات الأمنية في هذه المنطقة لا تؤثر على الجنوب وحده، بل تمتد انعكاساتها إلى حركة التجارة العالمية وأمن الملاحة الدولية ومصالح دول المنطقة. وهو ما يجعل القوات الجنوبية طرفاً أساسياً في أي مقاربة جادة لحماية الاستقرار، مع ضرورة عدم فصل هذه المسؤولية عن حقوق الجنوبيين وتطلعاتهم السياسية.
وفي تطور موازٍ، تطرق التقرير إلى الهجوم الصاروخي الذي استهدف مطار عدن الدولي يوم الجمعة، مشيراً إلى سقوط صاروخين داخل المطار بالقرب من طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية كانت تستعد للإقلاع، من دون تسجيل إصابات وفق المعلومات التي أوردها. ونقل عن وزير الإعلام معمر الإرياني أن الصاروخين سقطا على مسافة تقارب 500 متر من الطائرة ونحو 100 متر من منتصف المدرج.
كما أشار التقرير إلى الهجوم الذي استهدف قصر معاشيق في عدن قبل ذلك بيوم، والذي قال إن حصيلته بلغت خمسة قتلى و16 مصاباً، نقلاً عن السلطات المعنية. وتبرز هذه الهجمات، في حال تأكدت تفاصيلها، حجم التحديات الأمنية التي تواجه عدن والجنوب، وما تفرضه من ضرورة تعزيز حماية المنشآت الحيوية وتأمين حركة الطيران والمرافق العامة، إلى جانب مواجهة التهديدات العسكرية التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية.
وفي السعودية، تحدثت «الغارديان» عن استمرار الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وما تسببت به من اضطرابات في المطارات وبعض منشآت الطاقة، الأمر الذي دفع دول الخليج إلى إعادة تقييم مواقفها إزاء الحرب والتنسيق العسكري في المنطقة. كما تطرق التقرير إلى تحركات مصرية وبريطانية مرتبطة بالدعم الدفاعي للسعودية، وإلى النقاشات الدائرة بشأن طبيعة المساعدة العسكرية المطلوبة، وما يحيط بها من اعتبارات سياسية وقانونية.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تصريحات منسوبة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بشأن بحث تقديم دعم دفاعي للمملكة، مع التأكيد على أن الدور المصري لن يتجه إلى تنفيذ عمليات هجومية. كما تحدث عن نقاشات في بريطانيا بشأن طلب سعودي الحصول على مزيد من المساعدة العسكرية، عقب إرسال طائرة تزويد بالوقود جواً من طراز «فويجر» تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني.
وتطرق التقرير أيضاً إلى الجدل القانوني المتعلق بالدعم العسكري البريطاني للحملة الجوية السعودية، مستذكراً حكم محكمة الاستئناف البريطانية الصادر عام 2019 بشأن تراخيص تصدير الأسلحة خلال الفترة 2015-2016، وما خلص إليه من قصور في تقييم مخاطر الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني. وفي المقابل، تقول السعودية إن تحركاتها تأتي في إطار الدفاع عن النفس وفق ميثاق الأمم المتحدة، فيما أشار التقرير إلى بيان رئاسي لمجلس الأمن صدر في 15 أكتوبر بشأن حق السعودية في الدفاع عن النفس وفق القانون الدولي.
أما على المستوى الإنساني، فقد حذر التقرير من تدهور الأوضاع مع استمرار النزوح وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية، مشيراً إلى أن عدد النازحين تجاوز 200 ألف شخص وفقاً للأمم المتحدة، في وقت تتواصل فيه الدعوات إلى توسيع جهود الإغاثة ودعم المنظمات الإنسانية العاملة من عدن. وتؤكد هذه الأوضاع أن استمرار الحرب لا يقتصر أثره على الحسابات العسكرية والسياسية، بل يفاقم معاناة المدنيين ويضاعف الحاجة إلى حلول توقف التصعيد وتفتح الطريق أمام استقرار مستدام.
وبين التطورات العسكرية والتحركات الإقليمية، تبدو القضية الجنوبية أمام مرحلة بالغة الأهمية، تتداخل فيها حسابات الأمن ومكافحة الحوثيين مع المطالب السياسية المتعلقة بمستقبل الجنوب. فالتفاهمات التي يجري الحديث عنها قد تعيد ترتيب بعض جوانب المشهد العسكري، لكنها لن تحسم وحدها الأسئلة المتعلقة بحق تقرير المصير، ولا بمستقبل العلاقة بين الجنوب والأطراف الإقليمية.
إن الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من هذا المشهد هي أن مشاركة القوات الجنوبية في أي معركة خارج حدود الجنوب لا يمكن التعامل معها باعتبارها التزاماً عسكرياً منفصلاً عن القضية الوطنية الجنوبية. فالجنوبيون الذين يتحملون أعباء المواجهة الأمنية والعسكرية يتمسكون بأن تكون تضحياتهم مرتبطة بمسار سياسي واضح، وأن تتضمن أي تفاهمات ضمانات حقيقية تحترم إرادتهم وحقهم في اختيار مستقبلهم.
وفي المقابل، فإن مواجهة التهديد الحوثي تتطلب تنسيقاً عسكرياً مسؤولاً، وتعاوناً إقليمياً يحد من مخاطر التصعيد ويحمي المدنيين والممرات البحرية والمنشآت الحيوية. غير أن نجاح هذا التعاون سيظل مرهوناً بمدى قدرته على الجمع بين المتطلبات الأمنية والمعالجة السياسية، بدلاً من تأجيل القضايا الجوهرية أو تركها رهينة للتفاهمات المؤقتة.
وهكذا، يعود استفتاء تقرير المصير إلى واجهة النقاش بوصفه أحد الملفات التي قد تؤثر في شكل المشاركة العسكرية الجنوبية خارج حدود الجنوب السابق، وفق ما طرحته الصحيفة البريطانية. وبينما لا يوجد حتى الآن اتفاق رسمي معلن يضمن إجراء هذا الاستفتاء، تبقى القضية الجنوبية حاضرة في قلب المعادلة، باعتبارها قضية شعب يسعى إلى تحديد مستقبله، لا مجرد ورقة تفاوضية في صراع إقليمي متشابك.
فالجنوب، وفق ما تؤكده مطالبه السياسية، لا يبحث عن دور عسكري بلا أفق، ولا عن تفاهمات مؤقتة تتجاوز قضيته، بل عن مسار واضح يحترم حق شعبه في تقرير المصير، ويضمن أن تكون تضحيات أبنائه مدخلاً إلى مستقبل أكثر أمناً واستقراراً، لا وسيلة لتأجيل استحقاقه الوطني من جديد.

فيديو