الحوثيون والسير نحو المجهول تصعيد عبثي يقرّب المليشيا من الانهيار ويهدد مستقبلها

تقارير - منذ 5 ساعات

عين الجنوب || خاص                    

يبدو أن مليشيا الحوثي تمضي بخطى متسارعة نحو الهاوية، في ظل إصرارها على مواصلة التصعيد والتمسك بخيارات القوة والصدام، وكأنها تعيش حالة من الانفصال عن الواقع، وتتجاهل الدروس القاسية التي أثبتها التاريخ بشأن مصير المشاريع القائمة على الاستبداد وفرض الإرادة بالقوة. فبدلاً من مراجعة سياساتها والاستجابة للأزمات المتفاقمة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، تواصل المليشيا السير في طريق المواجهة، متجاهلة حجم المعاناة الإنسانية والاقتصادية التي يتحمل المواطنون أعباءها يومياً.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه التحديات المعيشية، وتتفاقم الأزمات الاقتصادية والخدمية، تبدو المليشيا وكأنها تراهن على التصعيد باعتباره وسيلة للهروب من استحقاقات الداخل، ومحاولة لإبقاء قبضتها على المجتمع من خلال أجواء التوتر والصراع المستمر. غير أن هذا النهج، مهما طال أمده، لا يمكن أن يشكل حلاً للأزمات المتراكمة، بل قد يفتح أبواباً أوسع أمام مزيد من العزلة والاضطراب، ويضاعف الفجوة بين الجماعة والبيئة الاجتماعية التي تحكمها.
إن أخطر ما تواجهه المشاريع القائمة على القوة المفرطة هو الاعتقاد بأن السيطرة الأمنية والقدرة على فرض القرارات كفيلتان بإسكات الاعتراضات وضمان الاستمرار إلى ما لا نهاية. فالتجارب السياسية والتاريخية تؤكد أن القوة وحدها لا تصنع استقراراً دائماً، وأن إخضاع المجتمعات لا يعني بالضرورة كسب ولائها، كما أن فرض الواقع بالقوة لا يلغي أسباب الغضب الشعبي ولا يعالج جذور الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا، فإن استمرار الحوثيين في تبني سياسة التصعيد، بدلاً من مراجعة الخيارات السياسية والاقتصادية، يضع المليشيا أمام تحديات أكثر تعقيداً. فكلما اتسعت دائرة المواجهات، ازدادت الأعباء على السكان، وتراجعت فرص التعافي، وأصبحت الأولويات المعيشية للمواطنين رهينة حسابات الصراع ومشروعات التوسع والنفوذ. وفي ظل هذه المعادلة، لا يبدو أن استمرار النهج ذاته سيقود إلى نتائج مختلفة، بل إن تكرار السياسات نفسها مع انتظار نتائج مغايرة يعكس أزمة عميقة في تقدير الواقع ومآلاته.
وتشير قراءة المشهد إلى أن الرهان على القوة، مع تجاهل المطالب الشعبية والاستحقاقات الإنسانية، قد يتحول إلى عبء سياسي واجتماعي على الجماعة نفسها. فالمجتمعات التي تعاني من الفقر وتدهور الخدمات وضيق فرص العيش لا يمكن أن تبقى بمنأى عن تأثير هذه الأوضاع، كما أن تراكم الأزمات يفرض مع مرور الوقت أسئلة صعبة بشأن المسؤولية عن المعاناة، وجدوى السياسات المتبعة، والوجهة التي تسير إليها الأوضاع.
ولا تقتصر خطورة هذا النهج على الداخل وحده، بل تمتد إلى مستقبل المنطقة برمتها، إذ إن استمرار التوتر والمواجهات يهدد فرص الاستقرار، ويزيد تعقيدات المشهد السياسي والأمني، ويجعل الوصول إلى تسويات مستدامة أكثر صعوبة. وفي الوقت الذي تحتاج فيه المنطقة إلى معالجة الأزمات عبر الحلول السياسية والحد من الصراعات، فإن التمسك بمنطق المواجهة يضع مزيداً من العقبات أمام أي مسار يمكن أن يخفف معاناة السكان ويفتح المجال أمام مرحلة جديدة.
وفي المقابل، فإن التحولات الكبرى في تاريخ الشعوب لم تكن دائماً نتيجة تفوق عسكري لطرف على آخر، بل كثيراً ما ارتبطت بتراكم الأزمات وفقدان الثقة واتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع. فحين تصبح الأعباء المعيشية جزءاً من الحياة اليومية، وتتراجع الآمال بتحسن الأوضاع، تتحول قدرة أي سلطة على الاستمرار إلى قضية ترتبط بمدى استجابتها لمطالب الناس، وليس فقط بقدرتها على فرض السيطرة.
وتدرك الجماعات السياسية، إذا أرادت الحفاظ على وجودها وتجنب الانزلاق إلى أزمات أعمق، أن الاستمرار في طريق الصدام لا يمكن أن يكون بديلاً عن المراجعة السياسية، وأن معالجة الأوضاع الداخلية تتطلب سياسات مسؤولة تضع حياة المواطنين واحتياجاتهم في مقدمة الأولويات. أما تجاهل الواقع، ومواصلة التصعيد، والتعامل مع كل أزمة باعتبارها مبرراً لمزيد من المواجهة، فقد يؤدي إلى نتائج عكسية تتجاوز حسابات أصحاب القرار أنفسهم.
إن ما تشهده الساحة اليوم يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل المشروع الحوثي، ومدى قدرته على الاستمرار في ظل الأزمات المتراكمة والضغوط المتزايدة. فالتاريخ لا يمنح ضمانات دائمة لأي قوة، ولا يحمي المشاريع السياسية من نتائج قراراتها، بل يضعها أمام اختبار مستمر يتعلق بقدرتها على التكيف مع الواقع والاستجابة لتطلعات المجتمعات.
وفي نهاية المطاف، فإن سياسة التصعيد قد تمنح الجماعة مساحة مؤقتة للمناورة، لكنها لا تضمن لها تجاوز أزماتها، كما أن المبالغة في الاعتماد على القوة قد تتحول إلى أحد أبرز أسباب التراجع وفقدان النفوذ. ومن يزرع أسباب الصراع ويحاصر فرص الحل، قد يجد نفسه في مواجهة نتائج لم تكن ضمن حساباته.
وهكذا، تبدو جماعة الحوثي أمام مفترق طرق حاسم: إما مراجعة نهجها والتعامل مع الأزمات بمنطق المسؤولية السياسية، أو مواصلة السير في طريق التصعيد بما يحمله من مخاطر العزلة وتفاقم الأوضاع واحتمالات الانهيار. أما الاعتقاد بأن العناد قادر على تجاوز استحقاقات الواقع، فليس سوى رهان محفوف بالمخاطر، لأن إرادة الشعوب وتراكم الأزمات قد يفرضان في نهاية المطاف تحولات لا تستطيع القوة وحدها منعها.
إن الهاوية لا تبدأ بالضرورة بسقوط مفاجئ، بل قد تبدأ بقرار خاطئ يتبعه إصرار على تكراره، وبأزمة يجري تجاهلها حتى تتسع، وبواقع يتغير فيما يظل أصحاب القرار أسرى حساباتهم القديمة. ومن هنا، فإن مواصلة النهج الحوثي القائم على التصعيد، في ظل كل هذه التحديات، قد لا تكون دليلاً على القوة بقدر ما تمثل مؤشراً على أزمة متفاقمة، تزداد خطورتها كلما غابت المراجعة وتراجعت فرص الحل.
فالرهان على العناد لا يصنع مستقبلاً آمناً، ومن يواصل إشعال الأزمات قد يجد نفسه عاجزاً عن احتواء نتائجها؛ وبين التصعيد والانهيار مسافة قد تقصر كلما أُغلقت أبواب الحلول السياسية.

فيديو