إلى متى يراهن الشمال على وحدة ميتة؟ شعبٌ تحت القصف ومشاريع سياسية ترفض الاعتراف بالواقع

الجنوب - منذ ساعتان

عين الجنوب || خاص                     

أما آن الأوان لقوى الشمال أن تعيد النظر في تمسكها بوحدة لم تعد تعكس واقع الأرض، ولم تعد تعبّر عن إرادة الناس وتطلعاتهم، في وقتٍ يواجه فيه شعبٌ بأكمله ويلات الحرب، ويعيش تحت وطأة الصواريخ والقصف والدمار، بينما لا تزال بعض القوى السياسية تتشبث بشعارات قديمة، وكأن الزمن لم يتغير، وكأن معاناة الناس ليست سوى تفصيل هامشي في حساباتها السياسية؟
لم يعد السؤال اليوم متعلقًا بمدى قداسة الشعارات التي رُفعت لعقود، ولا بقدرة الخطابات السياسية على إعادة إنتاج مفردات تجاوزتها الأحداث، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى سيظل مستقبل الشعوب رهينة مشاريع سياسية ترفض الاعتراف بالواقع، وتصر على فرض صيغ لم تعد تحظى بالإجماع، مهما كانت كلفة ذلك من دماء ودمار ومعاناة إنسانية؟
إن التمسك بالوحدة بوصفها شعارًا سياسيًا جامدًا، بعيدًا عن إرادة المواطنين ومصالحهم وحقهم في تقرير مستقبلهم، لا يمكن أن يكون بديلًا عن معالجة الأزمات المتراكمة، ولا وسيلة لتجاوز المظالم التي صنعتها سنوات طويلة من الصراع والتهميش وانعدام الثقة. فالوحدة، إن أريد لها أن تكون مشروعًا قابلًا للحياة، لا بد أن تقوم على الرضا المتبادل والشراكة العادلة والمواطنة المتساوية، لا على الإكراه أو التخوين أو استخدام القوة لفرض واقع سياسي على مجتمع لم يعد يرى في الصيغ القائمة إجابة عن أسئلته المصيرية.
وفي المقابل، تبرز مفارقة مؤلمة حين تتصدر بعض القوى السياسية مشهد الدفاع عن وحدة البلاد، بينما يواجه المواطنون مخاطر القصف والصواريخ، وتثقل كاهلهم الأزمات المعيشية، وتتراجع ثقتهم بالمؤسسات التي يُفترض أن تحميهم وتصون حقوقهم. فكيف يمكن إقناع شعبٍ بأنه يعيش في إطار مشروع وطني جامع، فيما تتسع الهوة بين الخطاب السياسي وواقع الحياة اليومية، ويجد الناس أنفسهم في مواجهة الخوف والفقر والنزوح، دون أفق واضح لإنهاء معاناتهم؟
إن المشكلة لا تكمن في مجرد الاختلاف حول شكل الدولة أو حدودها السياسية، بل في الإصرار على التعامل مع هذه القضايا بمنطق الشعارات المغلقة، بدلًا من الاعتراف بأن أي مشروع وطني يفقد معناه عندما يتحول إلى عبء على المواطنين، أو يصبح مبررًا لاستمرار الصراع وتجاهل المظالم. فالأوطان لا تُبنى بمجرد التمسك بالأسماء والخرائط، وإنما بقدرتها على توفير الأمن والعدالة والكرامة، وبمدى شعور أبنائها بأنهم شركاء حقيقيون في صنع القرار وتحديد المستقبل.
ومن هنا، فإن المطلوب من قوى الشمال ليس الاكتفاء بالدفاع عن صيغة سياسية بعينها، ولا الاستمرار في مطالبة الآخرين بالتسليم برؤيتها باعتبارها الحقيقة الوحيدة الممكنة، بل الشروع في مراجعة جادة وشجاعة للمواقف والسياسات التي أوصلت البلاد إلى هذا المأزق. مراجعة تعترف بأن استمرار الحرب لا يصنع وحدة مستقرة، وأن تجاهل إرادة الناس لا يؤدي إلى استعادة الثقة، وأن القضايا الوطنية الكبرى لا يمكن حلها عبر فرض الأمر الواقع أو مصادرة حق المجتمعات في التعبير عن تطلعاتها.
كما أن الاعتراف بحق الجنوبيين في التعبير عن خياراتهم السياسية ومستقبلهم لا ينبغي أن يُعامل بوصفه تهديدًا بحد ذاته، أو ذريعة لفتح جبهات جديدة من الصراع. فالحوار الحقيقي يبدأ من الإقرار بوجود خلافات عميقة، وينطلق من احترام إرادة الناس، والبحث عن تسوية سياسية عادلة تضمن الحقوق وتصون الكرامة وتمنع تحويل الاختلاف إلى مبرر للعنف. أما الإصرار على تجاهل هذه الحقائق، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وإطالة أمد الأزمة وتوسيع دائرة الخسائر.
وفي ظل استمرار المخاطر الأمنية والإنسانية، يصبح من الضروري إعادة ترتيب الأولويات؛ فحماية المدنيين يجب أن تتقدم على المناورات السياسية، ووقف القصف والانتهاكات يجب أن يتقدم على المزايدات الخطابية، وإنقاذ ما تبقى من النسيج الاجتماعي يجب أن يكون أهم من محاولة الانتصار لروايات تاريخية أو مشاريع سياسية متنازع عليها. لا يمكن مطالبة الناس بالصبر إلى ما لا نهاية، ولا يمكن مطالبتهم بتقديم المزيد من التضحيات من أجل شعارات لا تنعكس على أمنهم وحياتهم وحقوقهم.
إن الشعوب ليست ملزمة بالبقاء أسيرة خيارات سياسية لمجرد أنها طُرحت في مرحلة تاريخية سابقة، كما أن أي مشروع وطني لا يكتسب شرعيته من تكرار الحديث عنه، وإنما من قدرته على الاستجابة لتطلعات المواطنين واحترام إرادتهم. وإذا كانت الوحدة قد طُرحت يومًا بوصفها طريقًا إلى الاستقرار والازدهار، فإن استمرار الصراع وتراكم الأزمات يفرضان اليوم مراجعة الأسس التي قام عليها ذلك المشروع، ومناقشة البدائل السياسية الممكنة بعيدًا عن التخويف والتخوين والتهديد.
وليس في مراجعة التجارب السياسية انتقاص من التاريخ، ولا في الاعتراف بفشل بعض الصيغ إهانة للشعوب، بل إن الشجاعة الحقيقية تكمن في القدرة على مواجهة الحقائق كما هي، لا كما ترغب القوى السياسية في تصويرها. فالإصرار على مشروع متنازع عليه، من دون معالجة أسباب رفضه أو إعادة بنائه على أسس عادلة، قد يحوّل الشعار الذي يُفترض أن يجمع الناس إلى عامل إضافي للانقسام.
أما آن الأوان لقوى الشمال أن تدرك أن الشعوب لا تُجمع بالقوة، وأن الوحدة لا تُفرض بالصواريخ، وأن الأوطان لا تُحمى بإنكار معاناة أبنائها؟
إن اللحظة الراهنة تتطلب خطابًا سياسيًا مختلفًا، يعترف بحق الناس في الأمن والكرامة وتقرير مستقبلهم، ويضع حدًا لمنطق الإملاء، ويفتح الباب أمام حلول واقعية تستند إلى الإرادة الشعبية والتوافق السياسي والضمانات المتبادلة. فبدلًا من استنزاف الوقت والموارد في الدفاع عن صيغ فقدت قدرتها على احتواء الجميع، ينبغي البحث عن ترتيبات سياسية تنهي الحرب، وتحمي المدنيين، وتؤسس لعلاقات مستقبلية قائمة على الاحترام والمصالح المشتركة.
وفي نهاية المطاف، لن يكون التاريخ أكثر إنصافًا لمن رفعوا الشعارات بأعلى الأصوات، بل لمن امتلكوا الشجاعة للاعتراف بمعاناة الناس والعمل على إنهائها. فالقضية لم تعد مجرد خلاف حول اسم الدولة أو شكلها، وإنما أصبحت سؤالًا جوهريًا عن معنى الوطن نفسه: هل هو كيان سياسي يُطلب من الناس التضحية من أجله مهما كانت النتائج، أم إطار إنساني وقانوني يضمن لهم الحياة الآمنة والحرية والعدالة والكرامة؟
وإلى أن تجد القوى السياسية إجابة صادقة عن هذا السؤال، ستظل الهوة قائمة بين الشعارات والواقع، وسيظل المواطن هو من يدفع الثمن الأكبر لصراعات لم يخترها. ولذلك، فإن اللحظة لم تعد تحتمل المزيد من المكابرة؛ بل تتطلب مراجعة تاريخية وسياسية تضع مصلحة الشعوب فوق الحسابات الحزبية، وتفتح الطريق أمام مستقبل لا تُفرض فيه الوحدة بالقوة، ولا يُصادر فيه حق الاختلاف، ولا يُترك فيه الناس وحدهم في مواجهة الصواريخ والدمار.
فالأوطان التي تستحق البقاء هي تلك التي يختارها أبناؤها بإرادتهم، ويشعرون فيها بالأمان والعدالة والانتماء، لا تلك التي يُطلب منهم التمسك بها فيما تتساقط الصواريخ فوق رؤوسهم وتضيق أمامهم سبل الحياة.

فيديو