​«رسالة الشليمي: الرئيس عيدروس الزُبيدي وحضور الجنوب ثوابت لا تقبل التهميش»

تقارير - منذ 19 دقيقة

عدن ،عين الجنوب || خاص         

في رسالة سياسية تحمل دلالات مهمة بشأن مستقبل العلاقات بين التحالف العربي والجنوب، دعا المحلل السياسي الكويتي فهد الشليمي قيادات التحالف، وفي مقدمتهم الأمير محمد بن سلمان، إلى إعادة النظر في طبيعة التعامل مع شعب الجنوب وقياداته السياسية، مؤكدًا أن الجنوب يمثل حليفًا استراتيجيًا يمتلك حضورًا شعبيًا وعسكريًا وسياسيًا فاعلًا، وأن خسارته أو تجاهل تطلعاته قد ينعكس سلبًا على حسابات الاستقرار في المنطقة.
وتأتي رسالة الشليمي، وفق ما ورد في مضمونها، في سياق نقاشات سياسية متواصلة حول مستقبل القضية الجنوبية، ودور القوى الفاعلة على الأرض في رسم ملامح المرحلة المقبلة، وسط تعقيدات المشهد اليمني وتعدد الأطراف المتنافسة على النفوذ والقرار. وقد حملت الرسالة دعوة واضحة إلى مراجعة الأولويات، والتمييز بين الشركاء الذين أثبتوا حضورهم في الميدان، والأطراف التي تحاول التأثير في مواقف التحالف من خلال الخطاب السياسي والإعلامي.
وأكد الشليمي، في حديثه عن شعب الجنوب، أنه شعب يتمتع بالحرية والاعتزاز بكرامته والتمسك بعهوده، مشيرًا إلى أن التجربة الممتدة خلال السنوات الماضية أظهرت، بحسب تقديره، أن الجنوبيين كانوا طرفًا حاضرًا في مواجهة التحديات الأمنية والعسكرية، وأنهم قدموا تضحيات كبيرة في سبيل حماية مناطقهم ومواجهة التهديدات التي استهدفت أمنها واستقرارها.
وشدد على أن التعامل مع الجنوب ينبغي ألا يخضع لحسابات ظرفية أو لضغوط أطراف تسعى إلى توجيه القرار السياسي بعيدًا عن الوقائع الموجودة على الأرض، معتبرًا أن بناء علاقات استراتيجية مستدامة يتطلب قراءة دقيقة لمواقف الشعوب وتضحياتها، واحترام القوى التي تمتلك قاعدة شعبية وحضورًا ميدانيًا حقيقيًا.
الجنوب.. حليف أثبت حضوره في الميدان
وفي سياق حديثه عن مكانة الجنوب، ركز الشليمي على أهمية النظر إلى التجربة الجنوبية باعتبارها عاملًا مؤثرًا في معادلة الأمن والاستقرار، وليس مجرد ملف سياسي يمكن التعامل معه وفق اعتبارات مرحلية. فالجنوب، من وجهة نظره، يمتلك مقومات تجعله شريكًا مهمًا في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بمكافحة التهديدات الأمنية، وحماية المصالح المشتركة، وتعزيز الاستقرار في المنطقة.
وتبرز أهمية هذه الرسالة في تأكيدها أن التحالفات لا تُبنى على المصالح المؤقتة وحدها، وإنما تحتاج إلى الثقة المتبادلة والوفاء بالالتزامات واحترام تطلعات الأطراف المشاركة فيها. كما أن استمرار العلاقات الاستراتيجية يتطلب الاعتراف بالأدوار التي تؤديها القوى المحلية، وعدم التقليل من تأثيرها أو تجاوزها عند مناقشة مستقبل الأوضاع السياسية والأمنية.
ويرى مراقبون أن أي مقاربة جادة للأزمة اليمنية لا يمكنها تجاهل القضية الجنوبية، بالنظر إلى حضورها السياسي والشعبي، وما تمثله من مطالب متصلة بالهوية والتمثيل السياسي ومستقبل العلاقة بين الجنوب والشمال. ومن ثم، فإن التعامل مع هذه القضية يتطلب حوارًا جادًا يضع تطلعات الجنوبيين في صلب النقاشات، بدلًا من الاكتفاء بمعالجات مؤقتة قد تؤجل الخلافات دون أن تعالج جذورها.
عيدروس الزبيدي.. قيادة تحمل قضية الجنوب في قلب المعادلة
وتطرق الشليمي إلى دور الرئيس عيدروس قاسم الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، مشيدًا بثباته في حمل القضية الجنوبية والدفاع عن تطلعات أنصارها، ومعتبرًا أنه واصل التمسك بمواقفه رغم ما واجهه من تحديات سياسية وأمنية خلال السنوات الماضية.
ويعكس هذا التوصيف، بحسب مضمون الرسالة، أهمية الدور الذي تؤديه القيادة السياسية في التعبير عن المطالب الجنوبية وتمثيلها في المحافل السياسية، فضلًا عن مسؤوليتها في إدارة العلاقات مع الأطراف الإقليمية والدولية. كما يسلط الضوء على أن أي مسار سياسي يتعلق بمستقبل الجنوب يحتاج إلى التعامل مع القوى التي تمتلك حضورًا فعليًا وتأثيرًا ملموسًا داخل المجتمع الجنوبي.
وفي هذا الإطار، فإن تجاوز القيادة الجنوبية أو التعامل معها باعتبارها طرفًا ثانويًا قد يزيد من تعقيدات المشهد، ويضعف فرص الوصول إلى تفاهمات مستدامة. أما فتح قنوات التواصل والحوار، والبحث عن أرضية مشتركة تقوم على الاحترام المتبادل، فيمكن أن يسهم في تخفيف التوترات وتعزيز فرص الاستقرار.
ولا يعني ذلك أن الشراكة السياسية تخلو من الاختلافات أو التباينات، بل إن نجاحها يرتبط بقدرة الأطراف على إدارة خلافاتها بالحوار والوضوح، وبناء تفاهمات تراعي مصالح الجميع دون مصادرة إرادة أي طرف أو تجاهل قضاياه الأساسية.
تحذير من الأصوات التي تؤجج الخلافات
وفي جانب آخر من رسالته، حذر الشليمي من الأصوات التي قال إنها تسعى إلى تشويه الجنوب وقياداته لدى التحالف العربي، منتقدًا ما وصفه بمحاولات التأثير في القرارات الاستراتيجية عبر حملات سياسية وإعلامية تستهدف أطرافًا جنوبية فاعلة.
وأشار إلى جماعة الإصلاح باعتبارها من الأطراف التي يوجه إليها انتقاداته، مستخدمًا أوصافًا سياسية حادة للتعبير عن رفضه لدورها، ومعتبرًا أن الاعتماد على أطراف لا تحظى، وفق تقديره، بتمثيل شعبي كافٍ قد يؤدي إلى نتائج لا تخدم المصالح الاستراتيجية للتحالف ولا تسهم في معالجة الأزمة اليمنية.
وتعكس هذه الانتقادات حجم التنافس السياسي بين القوى المختلفة على التأثير في مواقف التحالف وتحديد مسارات الحل، في ظل تعدد المشاريع السياسية وتباين الرؤى بشأن مستقبل الدولة اليمنية والقضية الجنوبية.
غير أن التحدي الحقيقي أمام صناع القرار يتمثل في ضرورة التحقق من المعلومات وتقييم المواقف على أساس الوقائع، بعيدًا عن الحملات الدعائية والاتهامات المتبادلة. فالمصالح الاستراتيجية لا يمكن حمايتها عبر الانحياز إلى رواية واحدة دون تمحيص، وإنما من خلال فهم طبيعة القوى الموجودة على الأرض، وقياس حجم تأثيرها، ومعرفة مواقف قواعدها الشعبية وأهدافها السياسية.
ومن هنا، فإن الرسالة التي يطرحها الشليمي تتمحور حول ضرورة أن تكون القرارات الإقليمية مبنية على قراءة واقعية للمشهد، لا على ما تنقله الأطراف المتنافسة من روايات قد تتأثر بحساباتها الخاصة.
دعوة إلى الرياض: اقتربوا من الشعب لا من الوسطاء
وفي أبرز ما حملته الرسالة، دعا الشليمي قيادة التحالف العربي إلى الاقتراب من شعب الجنوب والاستماع مباشرة إلى مطالبه وتطلعاته، بدلًا من الاعتماد على الوسطاء والأصوات التي قد لا تعكس حقيقة المزاج الشعبي أو طبيعة المواقف السياسية في الجنوب.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل تعقيدات المشهد اليمني، حيث تتداخل المصالح الإقليمية مع الخلافات المحلية، وتتنافس أطراف متعددة على تقديم نفسها بوصفها الممثل الأبرز لمستقبل البلاد. وفي مثل هذه الظروف، يصبح التواصل المباشر مع القوى المجتمعية والسياسية ضرورة لفهم الوقائع وتجنب اتخاذ قرارات قد تزيد من حدة الانقسامات.
فالجنوب، كما تطرحه الرسالة، ليس مجرد مساحة جغرافية ضمن الأزمة اليمنية، بل قضية سياسية لها جذورها ومطالبها وتطلعاتها، وتحتاج إلى مقاربة تتجاوز الحلول التقليدية التي لم تنجح في إنهاء الخلافات أو بناء الثقة بين مختلف الأطراف.
كما أن العلاقات بين المملكة العربية السعودية والجنوب، وفق الرؤية التي عبّر عنها الشليمي، يمكن أن تستند إلى المصالح المشتركة في حماية الأمن ومواجهة التهديدات وتعزيز الاستقرار، شريطة أن تقوم على الوضوح والاحترام المتبادل والاعتراف بواقع القوى الفاعلة على الأرض.
ومن هذا المنطلق، فإن الحوار المباشر مع القيادات الجنوبية والاستماع إلى مختلف مكونات المجتمع، وفتح المجال أمام تفاهمات سياسية واضحة، يمكن أن يشكل مدخلًا لتجاوز حالة التوتر وبناء علاقات أكثر استقرارًا، بعيدًا عن منطق الإقصاء أو فرض الرؤى من طرف واحد.
القضية الجنوبية في قلب أي تسوية سياسية
وتعيد رسالة الشليمي التأكيد على أن أي تسوية سياسية شاملة في اليمن ستظل تواجه تحديات كبيرة ما لم تتعامل بجدية مع القضية الجنوبية، وتبحث عن صيغة عادلة لمعالجة مطالب الجنوبيين المتعلقة بمستقبلهم السياسي وحقهم في التعبير عن إرادتهم.
فالتجارب السابقة أظهرت أن تجاهل القضايا الجوهرية لا يؤدي بالضرورة إلى تجاوزها، بل قد يراكم أسباب الخلاف ويجعل الوصول إلى حلول أكثر صعوبة. ولذلك، فإن الاستقرار المستدام يحتاج إلى مسار سياسي واضح، يضمن مشاركة الأطراف المعنية، ويعالج جذور النزاعات، ويضع حدًا لمحاولات توظيف الخلافات لخدمة المصالح الضيقة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التمييز بين التفاهمات السياسية التي تعالج الملفات الآنية، والتسويات الاستراتيجية التي تتطلب معالجة القضايا الأساسية بصورة أكثر شمولًا. فوقف التصعيد أو التوصل إلى تفاهمات بين أطراف إقليمية لا يكفي وحده لضمان الاستقرار ما لم تنعكس نتائجه على واقع المجتمعات المعنية، وتحظَ الترتيبات السياسية بقبول الأطراف التي يفترض أن تكون جزءًا منها.
ومن هنا، فإن احترام الإرادة الجنوبية والاستماع إلى مطالب شعب الجنوب لا ينبغي أن يكون مجرد خطوة تكتيكية، بل جزءًا من أي رؤية سياسية تسعى إلى بناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.
رسالة تتجاوز المجاملة السياسية
إن أبرز ما يمكن استخلاصه من موقف الشليمي هو الدعوة إلى إعادة تقييم العلاقات والتحالفات على أساس المصالح طويلة الأمد، بعيدًا عن الضغوط الإعلامية والتجاذبات السياسية التي قد تدفع الأطراف إلى اتخاذ مواقف لا تنسجم مع الوقائع الميدانية.
فالتحالفات القوية لا تُقاس فقط بحجم التصريحات المتبادلة، وإنما بقدرتها على الحفاظ على الثقة، وإدارة الاختلافات، واحترام الالتزامات، وبناء شراكات تستند إلى المصالح المشتركة. كما أن استقرار المنطقة يتطلب إدراك أن تجاهل مطالب الشعوب أو التقليل من شأن القوى التي تمتلك حضورًا فعليًا قد يفتح الباب أمام مزيد من التوترات والتعقيدات.
وبالنسبة إلى الجنوب، فإن الرسالة تضع القضية الجنوبية أمام استحقاق سياسي مهم، يتمثل في ضرورة تحويل الحضور الشعبي والميداني إلى مسار سياسي واضح، يقوم على الحوار وتحديد الأولويات وبناء علاقات متوازنة مع المحيط الإقليمي، مع الحفاظ على وحدة الموقف الجنوبي وتعزيز قدرة المؤسسات على التعبير عن تطلعات المجتمع.
وفي المقابل، فإن نجاح أي شراكة مستقبلية يتطلب من جميع الأطراف الابتعاد عن التصعيد غير الضروري، وتغليب لغة الحوار على الاتهامات، والبحث عن قواسم مشتركة تضمن حماية المصالح المتبادلة وتحول دون اتساع دائرة الخلاف.
وفي ختام رسالته، شدد الشليمي على أهمية أن ينظر التحالف العربي إلى الجنوب بوصفه شريكًا يمكن التعويل عليه، وأن تكون العلاقة معه قائمة على الثقة والاحترام والاستماع المباشر إلى مطالبه، لا على ما تنقله الأطراف المتنافسة من مواقف وروايات.
وبين الدعوة إلى مراجعة الحسابات والتحذير من خسارة الحلفاء، تبقى الرسالة الأبرز أن مستقبل الاستقرار في اليمن والمنطقة لن تصنعه التفاهمات السياسية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى معالجة القضايا الجوهرية، واحترام تطلعات الشعوب، وبناء شراكات تستند إلى المصالح المشتركة والوضوح المتبادل.
فالجنوب، وفق الرسالة التي طرحها فهد الشليمي، ليس طرفًا يمكن تجاهله عند رسم مستقبل المنطقة، بل قضية وشريك سياسي وميداني تفرض طبيعة حضوره أن يكون جزءًا أساسيًا من أي حوار جاد حول الاستقرار والتسوية السياسية.

فيديو