الحوثيون يحولون المدارس إلى ثكنات تحت سطوة السلاح

تقارير - منذ 1 ساعة

.عين الجنوب ||خاص                  
لم تعد المدارس في مناطق سيطرة جماعة الحوثي مجرد مؤسسات تعليمية يُفترض أن تحتضن الأطفال وتمنحهم فرص التعلم وبناء مستقبلهم، بل باتت، وفق اتهامات حقوقية وتقارير متداولة، جزءاً من منظومة تعبئة أيديولوجية وعسكرية تستهدف الأجيال الناشئة، وتعمل على إعادة تشكيل وعيها وتوجيهها نحو مسارات العنف والصراع، في واحدة من أخطر الظواهر التي تهدد مستقبل المجتمع اليمني وتضع آلاف الأطفال أمام مصير مجهول.
وتتصاعد المخاوف من استمرار توظيف المؤسسات التعليمية في أنشطة التعبئة والتحشيد، وسط اتهامات لجماعة الحوثي بتحويل المدارس إلى بيئات مغلقة لنشر الفكر الطائفي وتعزيز ثقافة القتال، بدلاً من أن تكون فضاءات آمنة للتعليم والتنشئة السليمة. وفي ظل استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، يجد الأطفال أنفسهم في مواجهة مخاطر متزايدة، تتجاوز حرمانهم من التعليم لتصل إلى تهديد حياتهم ومستقبلهم بصورة مباشرة.
ومنذ سيطرة الجماعة على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة من شمال اليمن، برزت اتهامات متكررة بتغيير طبيعة العملية التعليمية وإخضاعها لاعتبارات سياسية وأيديولوجية، عبر تعديل المناهج الدراسية وتكثيف الأنشطة التعبوية داخل المدارس، بما في ذلك الشعارات والأناشيد ذات الطابع التحريضي التي يُقال إنها تُستخدم لترسيخ مفاهيم مرتبطة بالقتال والصراع، على حساب القيم الوطنية والإنسانية التي يفترض أن تقوم عليها المؤسسات التعليمية.
وتشير هذه الاتهامات إلى أن العملية التعليمية باتت تواجه تحديات عميقة، مع تزايد المخاوف من تراجع دور المعلم والمدرسة في بناء الشخصية المستقلة للطفل، وتحولهما إلى أدوات للتوجيه السياسي والعقائدي. كما تثير التقارير بشأن استخدام بعض المنشآت التعليمية لأغراض عسكرية، بما في ذلك تخزين المعدات أو تنفيذ أنشطة مرتبطة بالطائرات المسيّرة، مخاوف إضافية تتعلق بسلامة الطلاب والعاملين في القطاع التعليمي، خصوصاً في ظل استمرار المواجهات المسلحة.
وتبرز الدورات الصيفية التي تنظمها الجماعة بوصفها إحدى أكثر القضايا إثارة للقلق، في ظل اتهامات باستغلالها لاستقطاب الأطفال وتكثيف الأنشطة التعبوية والعقائدية، تحت عناوين تعليمية أو ثقافية. وتؤكد تقارير وادعاءات حقوقية أن بعض هذه الأنشطة قد تتضمن تدريبات ذات طابع عسكري، أو ممارسات تهدف إلى تهيئة الأطفال للانخراط في الصراع، الأمر الذي يثير تساؤلات خطيرة حول طبيعة البرامج المقدمة ومدى التزامها بحقوق الطفل وحمايته.
ولا تتوقف المخاطر عند حدود التلقين الأيديولوجي، إذ تتحدث تقارير عن أساليب متعددة لاستقطاب القُصّر، تشمل استغلال الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الأسر، وتقديم مساعدات أو مبالغ مالية محدودة مقابل مشاركة الأطفال في أنشطة مرتبطة بالتعبئة، فضلاً عن ممارسة ضغوط اجتماعية ونفسية على الأسر التي ترفض انخراط أبنائها في تلك البرامج. وفي مجتمع أنهكته الحرب والفقر والنزوح، تصبح هذه الممارسات أكثر خطورة، لأنها تستهدف الفئات الأكثر هشاشة وتستغل حاجتها إلى الغذاء والتعليم والحماية.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه السياسات، إن صحت الاتهامات الواردة بشأنها، لا يهدد حياة الأطفال فحسب، بل يترك آثاراً طويلة الأمد على المجتمع اليمني، من خلال تعميق الانقسامات وزرع ثقافة العنف في نفوس الأجيال الجديدة، وتحويل الطفولة من مرحلة يفترض أن تقوم على التعلم واللعب والنمو الطبيعي إلى مرحلة مبكرة من الانخراط في الصراعات المسلحة.
وتشير تقارير حقوقية إلى تعرض أطفال يمنيين للتجنيد أو الاستغلال في الأعمال المرتبطة بالنزاع خلال سنوات الحرب، بما في ذلك نقل الذخائر والقيام بمهام إسنادية أو المشاركة في مواقع عسكرية. كما وثقت تقارير ومشاهد متداولة وجود أطفال بملابس عسكرية يحملون أسلحة، في صور تختزل حجم المأساة التي يعيشها جيل كامل، وتكشف عن مخاطر استمرار الحرب على مستقبل اليمن وأمنه الاجتماعي.
إن الزج بالأطفال في النزاعات المسلحة لا يمثل مجرد انتهاك لحقوقهم الأساسية، بل يفتح الباب أمام تداعيات إنسانية ونفسية واجتماعية يصعب احتواؤها مستقبلاً. فالطفل الذي يُحرم من التعليم ويُدفع إلى بيئة العنف يفقد جزءاً أساسياً من فرصه في بناء حياة مستقرة، كما يصبح أكثر عرضة للصدمات النفسية والاستغلال والانخراط في دوائر الصراع المتوارثة.
وعلى الصعيد القانوني، تضع اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولها الاختياري بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، إلى جانب قواعد القانون الدولي الإنساني، التزامات واضحة لحماية القُصّر من التجنيد والاستغلال العسكري. كما أن تجنيد الأطفال أو استخدامهم في الأعمال العدائية قد يشكل جريمة حرب وفقاً للظروف والأحكام القانونية ذات الصلة، وهو ما يجعل مسؤولية حماية الأطفال ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات قضية تتجاوز الحسابات السياسية والعسكرية.
وتتطلب مواجهة هذه الظاهرة تحركاً حقوقياً وإنسانياً واسعاً، يضع حماية الأطفال في صدارة الأولويات، ويعمل على ضمان بقاء المدارس مؤسسات مدنية آمنة بعيدة عن الصراع والتعبئة المسلحة. كما تبرز الحاجة إلى دعم الأسر المتضررة، وتوفير التعليم البديل للأطفال المحرومين من الدراسة، وتعزيز برامج إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي للأطفال الذين تعرضوا للتجنيد أو الاستغلال.
وفي المحصلة، فإن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس فقط استمرار الحرب وتداعياتها العسكرية والاقتصادية، بل ما تتركه من آثار عميقة في وعي الأجيال القادمة. فحين تتحول المدارس إلى ساحات للتعبئة، ويصبح الأطفال وقوداً للصراعات، فإن الخسارة لا تقتصر على حاضر البلاد، بل تمتد إلى مستقبلها بأكمله.
إن حماية الطفولة اليمنية من التجنيد والعنف مسؤولية إنسانية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل، لأن إنقاذ الأطفال من براثن الحرب هو في جوهره إنقاذ لمستقبل اليمن، وإعادة الاعتبار لحقهم في التعليم والحياة والعيش بعيداً عن السلاح والكراهية.

فيديو