الوفد الجنوبي في الرياض بين وعود الحوار وصدمة الاحتجاز.. باكريت يكشف المستور والصحفيون يفتحون ملف الثقة والكرامة وإرادة الجنوب

تقارير - منذ 10 دقائق

عين الجنوب || خاص                    

لم تعد قضية الوفد الجنوبي الذي توجه إلى العاصمة السعودية الرياض مجرد تفصيل عابر في سياق التطورات السياسية التي تشهدها المنطقة، بل تحولت إلى قضية تتجاوز حدود الخلافات السياسية، لتضع مصداقية الحوار، واحترام الالتزامات، وكرامة الإنسان الجنوبي، أمام اختبار حقيقي. ومع التصريحات الأخيرة للقيادي الجنوبي وعضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي، الشيخ راجح سعيد باكريت، تتكشف تفاصيل جديدة بشأن ظروف توجه الوفد إلى الرياض، والهدف من الزيارة، وما قال إنه تعرض له أعضاؤه منذ لحظة وصولهم، في رواية أثارت اهتماماً واسعاً في الأوساط الجنوبية والإعلامية.
وجاءت تصريحات باكريت لتعيد فتح ملف الوفد الجنوبي الذي ذهب إلى الرياض استجابة لدعوة رسمية، وسط تساؤلات متصاعدة حول مصير أعضائه، وطبيعة الإجراءات التي اتخذت بحقهم، ومدى انسجام ما حدث، وفق روايته، مع الأهداف المعلنة للحوار والتفاهم. وفي الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات إلى معالجة القضية الجنوبية عبر مسارات سياسية، يرى باكريت أن الحديث عن الحوار لا يمكن أن ينفصل عن احترام الحقوق والالتزامات، وأن الثقة لا يمكن أن تُبنى في ظل غموض يحيط بمصير وفد جاء، بحسب تأكيده، بهدف احتواء التصعيد وإيجاد مخرج سياسي للأزمة.
وفي تفاصيل ما كشفه، قال باكريت إن الوفد الجنوبي توجه إلى الرياض تلبية لدعوة مكتب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، التي حملت، وفق ما أورده، تأكيداً بأن القضية الجنوبية قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، وأن المملكة تقف إلى جانب الجنوب وأهله، مع دعوة قيادة المجلس الانتقالي إلى الحضور خلال 48 ساعة لشرح موقفها والعمل المشترك من أجل المستقبل.
وأوضح أن الوفد، وبناءً على تلك الدعوة وتوجيهات الرئيس عيدروس بن قاسم الزُبيدي، توجه إلى الرياض بحسن نية ومسؤولية وطنية، انطلاقاً من الحرص على احتواء التصعيد وإيقاف استهداف المعسكرات الجنوبية، وفتح المجال أمام تفاهمات تسهم في معالجة الأزمة وحماية أمن الجنوب واستقراره.
لكن الرواية التي قدمها باكريت تتحدث عن مسار مختلف عما كان يتوقعه أعضاء الوفد، إذ أكد أنهم فوجئوا، منذ وصولهم إلى المطار، بإجراءات قال إنها تحولت إلى احتجاز ومصادرة للهواتف لمدة أربعة أيام، والتحقيق معهم في مبنى أمن الدولة بالرياض، مع فرض قيود على حريتهم، مشيراً إلى أن أعضاء الوفد لا يزالون محتجزين حتى وقت نشر تصريحاته.
وتضع هذه التفاصيل، ، علامات استفهام كبيرة أمام طبيعة الدعوة التي استجاب لها الوفد، والضمانات التي يفترض أن تحكم أي تحرك سياسي يقوم على التفاوض والحوار. فالمسألة، في نظر الجنوبيين الذين يتابعون القضية، لا تتعلق فقط بزيارة سياسية أو لقاءات تفاوضية، بل تتصل بمبدأ احترام الوفود السياسية وحق أعضائها في معرفة طبيعة الإجراءات المتخذة بحقهم، والعودة إلى أهاليهم، بعيداً عن أي غموض أو قيود غير معلنة.
ولم يتوقف باكريت عند سرد ما قال إنه تعرض له الوفد، بل طرح سؤالاً جوهرياً يعكس حجم الأزمة التي تتشكل حول هذه القضية: كيف يمكن مطالبة شعب الجنوب بالثقة في مسار الحوار، بينما لا يزال الوفد الذي استجاب للدعوة محتجزاً في الرياض؟
هذا السؤال بات محوراً أساسياً في النقاشات السياسية والإعلامية الجنوبية، لأنه يضع الحوار أمام معيار عملي لا يمكن تجاوزه بالتصريحات والوعود وحدها. فالثقة، بحسب المواقف التي عبّر عنها باكريت، لا تُبنى بمجرد الدعوة إلى التفاهم، وإنما تحتاج إلى خطوات واضحة تثبت احترام الأطراف لبعضها، وتضمن حرية المشاركين في العملية السياسية، وتمنع تحويل الحوار إلى وسيلة لفرض الأمر الواقع أو تجاوز إرادة الجنوبيين.
وفي سياق حديثه، ربط باكريت بين قضية الوفد والتضحيات التي قدمها أبناء الجنوب، مشيراً إلى نحو 500 شهيد من الجنود الجنوبيين، وقال إن جثامينهم لا تزال متناثرة في صحراء حضرموت. وهي إشارة تعكس حجم الغضب الذي يحيط بالملف، وتؤكد أن القضية لم تعد بالنسبة إلى كثير من الجنوبيين مسألة سياسية مجردة، بل ترتبط بدماء وتضحيات ومخاوف من أن تتحول تلك التضحيات إلى أوراق في ترتيبات سياسية لا تلبي تطلعات أصحابها.
كما وجه باكريت رسالة تضامن إلى أعضاء الوفد، مؤكداً أن كرامتهم من كرامة شعبهم، وأن حقهم في الحرية والعودة إلى أهاليهم لا يقبل المساومة، مجدداً المطالبة بكشف الحقيقة ورفع القيود عنهم بكل الوسائل المشروعة. وفي رسالته إلى الرياض والمجتمعين الإقليمي والدولي، شدد على أن حرية الوفد وكرامة الإنسان واحترام الالتزامات ليست مطالب سياسية قابلة للمساومة، بل حقوق تستوجب الوضوح والإنصاف، وتمثل أسساً لا يمكن تجاوزها لبناء الثقة والشراكة.
تصريحات باكريت تفتح باباً واسعاً أمام الصحفيين
لم تمر تصريحات باكريت مروراً عابراً في المشهد الإعلامي الجنوبي، إذ سارعت وسائل إعلام محلية إلى نشر تفاصيلها وإعادة تسليط الضوء على ملف الوفد، مع التركيز على ما ورد بشأن الدعوة الرسمية، ومصادرة الهواتف، والتحقيق، واستمرار الاحتجاز وفق روايته.
ونشرت صحيفة «عدن تايم» تقريراً بعنوان «الشيخ باكريت يكشف المستور بشأن ذهاب الوفد الجنوبي إلى الرياض وتفاصيل احتجازه»، تناولت فيه تفاصيل الدعوة التي قال باكريت إن الوفد استجاب لها، وما أورده بشأن الإجراءات التي تعرض لها أعضاؤه. كما نشرت الصحيفة تقريراً آخر ركز على أن الوفد ذهب إلى الرياض استجابة لدعوة رسمية وبحسن نية ومسؤولية وطنية، وأن حرية أعضائه وكرامتهم حق لا يقبل المساومة. 
وفي السياق ذاته، تناولت وساىل اعلام جنوبيه» منها منصه اعلاميه تحدثت عن تصريحات باكريت تحت عنوان يركز على كشف تفاصيل احتجاز الوفد ومصادرة هواتف أعضائه والتحقيق معهم، ونقلت مضمون رسالته بشأن ضرورة احترام حرية الوفد وكرامة أعضائه. كما أعادت وسائل إعلام أخرى نشر مضمون التصريحات، بما يعكس اتساع الاهتمام الإعلامي بالقضية وتزايد تداولها في الأوساط الجنوبيه
وتكشف هذه التغطيات عن اتجاه واضح في الخطاب الإعلامي الجنوبي، يتمثل في وضع قضية الوفد ضمن إطار أوسع يتعلق بمصداقية الحوار، وضرورة تقديم إجابات بشأن مصيره، وعدم الاكتفاء بطرح مبادرات سياسية لا تترافق مع خطوات ملموسة تعزز الثقة.
 
الحوار الجنوبي أمام اختبار الإرادة والضمانات
إن القضية الجنوبية، بما تحمله من أبعاد تاريخية وسياسية واجتماعية، لا يمكن اختزالها في لقاءات أو مؤتمرات أو ترتيبات يجري الإعلان عنها من الخارج، بعيداً عن إرادة أبناء الجنوب وممثليهم. فالحوار الذي لا يستند إلى ضمانات واضحة، ولا يقوم على احترام الحقوق والكرامة، قد يتحول إلى مصدر إضافي للأزمة بدلاً من أن يكون مدخلاً لحلها.
وتبرز أهمية هذه المسألة في ظل التباينات التي تشهدها الساحة الجنوبية، ومحاولات إعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري، وما يرافق ذلك من مخاوف بشأن مستقبل القضية الجنوبية وموقعها في أي تسوية إقليمية أو دولية. فالجنوبيون، وفق الخطاب الذي يعبر عنه باكريت ومؤيدوه، لا يريدون حواراً يفرض عليهم خيارات جاهزة، أو تسويات تتجاوز تطلعاتهم الوطنية، وإنما مساراً يعترف بحقهم في التعبير عن إرادتهم وتحديد مستقبلهم.
ومن هنا، فإن استمرار الغموض بشأن الوفد يضع الجهات المعنية أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية تتطلب توضيحاً عاجلاً، سواء عبر الكشف عن طبيعة الإجراءات المتخذة، أو بيان أسبابها، أو ضمان حرية أعضاء الوفد وعودتهم إلى أهاليهم. فالقضية لا تتعلق بأسماء سياسية بعينها، وإنما بمبدأ احترام الإنسان وحقه في الحرية والكرامة، وبالمعايير التي يفترض أن تحكم العلاقات السياسية بين الأطراف.
الجنوب لا يبحث عن وعود جديدة بقدر ما يبحث عن احترام إرادته
وفي خضم هذه التطورات، تتصاعد الأصوات الجنوبية المطالبة بعدم تحويل القضية الجنوبية إلى ورقة تفاوض في صراعات الآخرين، أو التعامل معها باعتبارها ملفاً يمكن تجاوزه عبر تفاهمات سياسية لا تعكس تطلعات شعب الجنوب. فالقضية، كما يؤكد أنصار هذا الموقف، قضية وطن وإرادة شعب، وليست مجرد خلاف على مواقع أو مناصب أو ترتيبات داخل السلطة.
وتأتي تصريحات باكريت لتضيف بعداً جديداً إلى هذا الجدل، من خلال ربط مستقبل الحوار بضرورة احترام الوفد وحقوق أعضائه، والتأكيد على أن التضحيات الجنوبية لا ينبغي أن تكون موضع تجاهل أو اختبار للصبر. فالحديث عن الشراكة والمستقبل لا يمكن أن يكون مقنعاً ما لم يسبقه وضوح في التعامل مع القضايا العالقة، وفي مقدمتها مصير الوفد الذي توجه إلى الرياض استجابة لدعوة رسمية، بحسب روايته.
كما أن الرسائل التي وجهها باكريت إلى أعضاء الوفد وإلى الرياض والمجتمع الدولي تعكس محاولة لإبقاء القضية في دائرة الاهتمام السياسي والإعلامي، ومنع طي ملفها دون إجابات واضحة. وهي رسائل تحمل في مضمونها مطالبة مباشرة بأن تكون حرية الوفد وكرامته جزءاً من أي نقاش جاد حول مستقبل الجنوب، لا قضية هامشية يمكن تأجيلها أو تجاوزها.
وفي النهاية، فإن ما كشفه راجح باكريت، وما تناولته الصحافة الجنوبية من تفاصيل وتصريحات، يضع ملف الوفد الجنوبي في الرياض أمام مرحلة دقيقة، تتطلب وضوحاً في المواقف، وشفافية في الإجراءات، وإجابات لا تحتمل التأويل. فالحوار الحقيقي لا يبدأ بإطلاق الوعود، بل باحترام الالتزامات، ولا تُبنى الثقة عبر الشعارات، بل بالمواقف العملية التي تثبت أن إرادة الشعوب وكرامة أبنائها ليستا موضع مساومة.
ويبقى السؤال الذي يتردد في الشارع الجنوبي والإعلامي: إذا كان الوفد قد ذهب إلى الرياض من أجل الحوار واحتواء التصعيد، فلماذا انتهى به الأمر، وفق رواية باكريت، إلى الاحتجاز والقيود؟ ومن المسؤول عن توضيح الحقيقة وإنهاء هذا الغموض؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مطلباً إعلامياً فحسب، بل خطوة ضرورية لاستعادة الثقة، وفتح الطريق أمام أي حوار جاد يحترم القضية الجنوبية وإرادة شعبها، ويضع كرامة الإنسان وحقه في الحرية فوق الحسابات السياسية.
فالجنوب الذي قدم التضحيات دفاعاً عن أرضه وحقوقه، لن يقبل أن تكون كرامة أبنائه رهينة الغموض، ولن يكون الحوار الحقيقي ممكناً ما لم تبدأ خطواته الأولى باحترام إرادة الجنوب وحق وفده في الحرية والعودة إلى أهله.

فيديو