الجمعة التي يتكلم فيها الجنوب بصوتٍ واحد.. مليونية الثبات تعيد رسم معادلة القوة

تقارير - منذ 1 ساعة

خاص||عين الجنوب:

لم تعد «مليونية الثبات الجنوبي» حدثًا جماهيريًا عابرًا، بل تحوّلت إلى علامة فارقة في مسار قضيةٍ اختبرت كل أشكال الضغط والاستنزاف، وخرجت أكثر تماسكًا ووضوحًا. حين يكون الموعد يوم الجمعة، فإن الرسالة تتجاوز اختيار الزمن إلى دلالته؛ يومٌ يلتقي فيه الناس على موقفٍ جامع، ويقدّمون السياسة بصيغتها الشعبية الخالصة، بلا وسطاء ولا مواربة.
هذه المليونية تأتي في لحظةٍ دقيقة، تتكاثر فيها المبادرات، وتتصاعد فيها محاولات إعادة تدوير الأزمات، وكأن الجنوب يُراد له أن يبقى بندًا مؤجّلًا أو ورقة تفاوض قابلة للمساومة. غير أن الشارع، وهو يتهيأ للزحف، يقول بوضوح إن زمن تجاوز الإرادة الشعبية قد انتهى، وإن أي مقاربة لا تنطلق من حقيقة ما على الأرض ستظل قراءة ناقصة، مهما بدت أنيقة على الورق.
في الساحات، لا يتجمع الناس بدافع الحماسة وحدها، بل بدافع الوعي المتراكم. سنواتٌ من التجربة صنعت إدراكًا جماعيًا بأن الحقوق لا تُمنح، وأن الثبات ليس فعل ردّة فعل، بل استراتيجية طويلة النفس. لذلك تبدو المليونية كاستفتاء مفتوح، تُعلن فيه الجماهير تمسكها بخيارها السياسي، وترفض أن تكون معاناتها المعيشية مدخلًا لفرض حلول لا تعبّر عنها.
اللافت في «مليونية الثبات الجنوبي» أنها تعيد تعريف العلاقة بين الشارع والسياسة. فهنا لا يُستدعى الناس للتصفيق، بل ليكونوا جزءًا من صناعة القرار، أو على الأقل من رسم حدوده الحمراء. الرسالة واضحة: لا تسويات على حساب الكرامة، ولا استقرار يُبنى فوق إنكار الواقع، ولا شراكات تُفرض من خارج إرادة أصحاب الأرض.
كما أن هذه المليونية تكسر رهان الوقت. فكل من راهن على تعب الناس، أو على تآكل القضية تحت وطأة الأزمات، يواجه اليوم مشهدًا معاكسًا. الحشود التي تستعد للخروج تعرف حجم التحديات، لكنها تعرف أيضًا أن التفريط السياسي أخطر من الضيق الاقتصادي، وأن أي حلٍ لا يحترم تطلعاتها لن يكون سوى تأجيل لأزمة أكبر.
سياسيًا، تحمل المليونية رسائل متعددة الاتجاهات. للداخل، تؤكد أن وحدة الصف ليست شعارًا موسميًا، بل ضرورة وجودية، وأن الاختلاف لا يعني التفكك ما دام الهدف واحدًا. وللخارج، تقول إن الجنوب ليس فراغًا يمكن ملؤه بالقرارات الجاهزة، ولا ساحة يمكن إدارتها عن بُعد، بل واقعًا حيًا له ثقله، وصوته، ومعادلته الخاصة.
الجمعة، إذن، ليس موعد تجمع فقط، بل موعد اختبار. اختبار لصدق المواقف، ولمدى الاستجابة لإرادة الناس، ولقدرة الجميع على قراءة المشهد كما هو، لا كما يرغبون أن يكون. ومع كل خطوةٍ تتجه نحو الساحات، تتكرّس حقيقة واحدة: أن الجنوب، وهو يرفع شعار الثبات، لا يدافع عن لحظة غضب، بل عن مشروعٍ يرى فيه مستقبله، ويصرّ على أن يُكتب بإرادته لا بالنيابة عنه.
هكذا، تأتي «مليونية الثبات الجنوبي» لتقول كلمتها بثقة: نحن هنا، نعرف طريقنا، ونعرف ثمنه، ولن نغادر الساحة قبل أن يكون القرار بحجم التضحيات. الجمعة موعدنا… والرسالة أبعد من يوم.

فيديو