حين يعود شبح الإرهاب بوجهٍ جديد… من يحاول كسر الجنوب من بوابة الفوضى؟

تقارير - منذ 1 ساعة

خاص || عين الجنوب :

لم يعد ما يجري في الجنوب مجرد أحداث أمنية متفرقة يمكن عزلها عن السياق العام، بل بات جزءًا من مشهد أكثر تعقيدًا، تُدار فيه المعركة بأدوات خفية وبإيقاع محسوب، هدفه إرباك الاستقرار وضرب الثقة، لا إسقاط المدن دفعة واحدة. فالإرهاب الذي فشل في التمدد بالسلاح، يحاول اليوم أن يعود بوجهٍ آخر، أقل صخبًا وأكثر خبثًا.
خلال الأعوام الماضية، تمكن الجنوب من تقليص المساحات التي كانت تتحرك فيها الجماعات المتطرفة، وفرض واقع أمني مختلف عمّا كان عليه الحال في مراحل سابقة. هذا التحول لم يكن عابرًا، بل نتاج تراكم من العمل الأمني، والتجربة، والتضحيات. غير أن هذا النجاح نفسه شكّل دافعًا لقوى معادية كي تعيد ترتيب أوراقها، بعد أن أدركت أن المواجهة المباشرة لم تعد ممكنة.
ما يُلاحظ اليوم هو انتقال واضح من الإرهاب التقليدي واسع النطاق، إلى نمط يعتمد على الضربات المحدودة، والخلايا الصغيرة، ومحاولات الاختراق الناعمة. عمليات محسوبة التوقيت، تُراد لها رسائل سياسية أكثر مما تُراد لها نتائج ميدانية، يليها تضخيم إعلامي سريع، يسعى إلى إعادة رسم صورة الجنوب كساحة رخوة وغير مستقرة.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن كل حادثة، مهما كانت محدودة، تُستثمر فورًا في حملات منظمة، تتقاطع فيها منصات إعلامية، وحسابات سياسية، وخطابات تحريضية. الهدف ليس توصيف الواقع بقدر ما هو صناعته، ودفع الرأي العام نحو شعور دائم بالقلق، وكأن الجنوب يقف على حافة الانفجار في كل لحظة.
لكن قراءة أعمق للمشهد تكشف مفارقة لافتة: فبينما يُروَّج لعودة الإرهاب، تظهر الوقائع أن الأجهزة الأمنية أصبحت أكثر قدرة على الاستباق، وأكثر خبرة في تفكيك الشبكات قبل اكتمال نشاطها. كثير من المحاولات أُحبطت بصمت، دون ضجيج إعلامي، ودون تحويلها إلى مادة للاستعراض، وهو ما يفسر لجوء خصوم الجنوب إلى تضخيم أي خرق مهما كان محدودًا.
الأخطر في هذه المرحلة ليس الفعل الإرهابي نفسه، بل الرهان على إنهاك المجتمع نفسيًا، وكسر منسوب الثقة بين المواطن ومؤسساته الأمنية. إنها حرب أعصاب بامتياز، تُدار على المدى الطويل، وتقوم على فكرة بسيطة: إذا لم نستطع إسقاط الجنوب بالقوة، فلنُغرقه في القلق والشك.
ورغم ذلك، فإن الجنوب اليوم ليس كما كان بالأمس. الوعي الشعبي بات أكثر نضجًا، والخبرة المتراكمة جعلت المجتمع أقل قابلية للانجرار خلف الشائعات، وأكثر إدراكًا لطبيعة المعركة. فالإرهاب يعيش دائمًا على الفراغ، وحين يُواجه بمجتمع يقظ ومؤسسات حاضرة، يتحول من خطر وجودي إلى مجرد محاولة يائسة.
ما يجري إذن يمكن توصيفه كمحاولة لفتح مرحلة جديدة من العبث الأمني، لا كعودة حقيقية للإرهاب إلى مركز المشهد. الفرق جوهري. فهناك من يحاول إحياء أشباح الماضي، لكن الواقع على الأرض يقول إن الجنوب، رغم كل التحديات، أصبح أصلب من أن يُكسر بسهولة.
المعركة القادمة لن تُحسم بضربة واحدة، بل بقدرة الجنوب على الحفاظ على تماسكه، وتعزيز أمنه، وعدم الوقوع في فخ التخويف أو الفتنة. فحين يفشل الإرهاب في فرض نفسه بالقوة، لا يبقى أمامه سوى الضجيج… والضجيج، مهما علا، لا يصنع واقعًا.

فيديو