فشل سلطة الامر الواقع في توفير الخدمات وانقطاع المرتبات في العاصمة عدن

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب | خاص .  
في كل مرة تتفاقم فيها الأزمات المعيشية وتتراكم معاناة الناس، تعود القضايا الكبرى إلى الواجهة بقوة أكبر مما كانت عليه. هكذا يبدو المشهد اليوم في الجنوب، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية مع الاحتقان الشعبي لتعيد طرح السؤال القديم المتجدد: إلى أين يتجه مصير القضية الجنوبية بعد سنوات من التعقيدات السياسية والتجاذبات الإقليمية؟
لقد وصلت حالة الغضب الشعبي إلى مستويات غير مسبوقة، بعد أن فشلت حكومة ما يُعرف بالشرعية في معالجة أبسط الملفات المرتبطة بحياة المواطنين. فملف الخدمات الأساسية أصبح نموذجًا صارخًا لحالة العجز المزمن، إذ تتواصل أزمة الكهرباء والمياه والوقود دون حلول حقيقية، بينما يقف المواطن في مواجهة يومية مع تدهور مستوى المعيشة وارتفاع الأسعار وانهيار العملة. أما ملف الرواتب، الذي يمثل شريان الحياة لمئات الآلاف من الأسر، فقد تحول إلى أزمة مزمنة مع غياب الانتظام في صرفها، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى الشعور بأن الدولة التي يفترض أن تدير هذه الملفات أصبحت عاجزة عن القيام بأبسط واجباتها.
وسط هذا الواقع القاسي، بدأت القضية الجنوبية تعود تدريجيًا إلى مركز المشهد السياسي والشعبي، ليس بوصفها مجرد شعار سياسي، بل باعتبارها تعبيرًا عن إحساس متزايد لدى الجنوبيين بأن سنوات الحرب والتحالفات والاتفاقات لم تحقق لهم ما كانوا يأملونه من استقرار أو شراكة حقيقية في القرار. فالكثير من الأصوات باتت ترى أن محاولات تهميش القضية الجنوبية خلال السنوات الماضية لم تكن سوى محاولات لتأجيل انفجارها السياسي، وليس إنهاءها أو تجاوزها.
وخلال هذه السنوات، شهد الجنوب سلسلة من المبادرات السياسية التي حاولت إعادة صياغة المشهد، سواء عبر مشاريع دمج القوات أو عبر الدعوة إلى مؤتمرات حوار تحت مسميات مختلفة. غير أن جزءًا كبيرًا من الشارع الجنوبي ينظر إلى هذه المبادرات بعين الشك، معتبرًا أن أهدافها الحقيقية قد تكون مرتبطة بمحاولة إعادة تشكيل المعادلة السياسية بطريقة تذيب خصوصية القضية الجنوبية داخل إطار أوسع، بدلاً من الاعتراف بها كقضية سياسية قائمة بذاتها. ولهذا السبب لم تتمكن تلك المشاريع من إقناع قطاع واسع من الجنوبيين الذين يرون أن أي تسوية لا تعترف بتضحياتهم ولا تعالج جذور المشكلة ستظل تسوية مؤقتة لا أكثر.
لقد دفع الجنوبيون، بحسب ما يردده كثير من الناشطين والسياسيين في الجنوب، ثمنًا باهظًا في مسار صراعهم السياسي والعسكري، حيث سقط آلاف الشهداء في معارك مختلفة خلال السنوات الماضية. هذه التضحيات، في الوعي الشعبي الجنوبي، لم تكن مجرد أحداث عابرة في زمن الحرب، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة الجمعية التي يستند إليها الخطاب السياسي الداعي إلى الحفاظ على ما يعتبره الجنوبيون حقًا تاريخيًا وسياسيًا. ولهذا فإن أي محاولة لتجاوز تلك التضحيات أو التقليل من شأنها غالبًا ما تواجه برفض واسع في الشارع الجنوبي.
وفي ظل هذا السياق، يبدو أن الفجوة بين الواقع المعيشي الصعب والخطاب السياسي الرسمي آخذة في الاتساع. فبينما تتحدث السلطات عن خطط إصلاحية ومشاريع سياسية جديدة، يشعر المواطن العادي بأن حياته اليومية تزداد صعوبة، وأن الوعود لم تتحول إلى نتائج ملموسة. ومع كل أزمة جديدة، تتزايد الدعوات التي ترى أن الحل الحقيقي يكمن في إعادة طرح القضية الجنوبية بوضوح أكبر، باعتبارها المدخل الوحيد لإعادة صياغة العلاقة السياسية في المنطقة.
المفارقة أن محاولات تهميش هذه القضية خلال السنوات الماضية لم تؤدِّ إلى إضعافها كما كان يُعتقد، بل ربما ساهمت في إعادة شحنها بزخم جديد، خاصة في ظل الإحباط الشعبي من أداء المؤسسات الحكومية ومن تعثر مشاريع التسوية السياسية. فالقضية التي اعتقد البعض أنها قد تتراجع بفعل الزمن أو الضغوط السياسية، تبدو اليوم أكثر حضورًا في الخطاب الشعبي وفي النقاشات السياسية داخل الجنوب.
ومع تزايد التحديات الاقتصادية والسياسية، قد يكون الجنوب مقبلًا على مرحلة جديدة من الحراك الشعبي والسياسي، مرحلة قد تعيد ترتيب الأولويات وتفرض على القوى المحلية والإقليمية إعادة التفكير في طريقة التعامل مع هذه القضية. فالتاريخ السياسي للمنطقة يثبت أن القضايا المرتبطة بالهوية والحقوق السياسية لا تختفي بسهولة، بل قد تمر بفترات هدوء قبل أن تعود بقوة عندما تتغير الظروف.
لهذا يبدو أن السؤال لم يعد ما إذا كانت القضية الجنوبية ستعود إلى الواجهة، بل متى وكيف ستفرض نفسها مجددًا على طاولة السياسة، في ظل واقع يزداد تعقيدًا يومًا بعد آخر. وبينما تتباين المواقف والتقديرات حول المستقبل، يبقى المؤكد أن أصوات الشارع الجنوبي، المثقلة بالمعاناة وبذاكرة التضحيات، لن تتوقف عن المطالبة بما تراه حقًا سياسيًا وتاريخيًا، وأن أي معادلة سياسية تتجاهل هذه الحقيقة قد تجد نفسها عاجزة عن الصمود أمام موجة جديدة من المطالب الشعبية التي يبدو أنها في طريقها إلى التشكل من جديد.

فيديو