كيف تتحول الحوادث الفردية في الجنوب إلى سلاح سياسي؟

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب | خاص .
في خضم التعقيدات السياسية والصراعات المفتوحة في المنطقة، لم تعد بعض وسائل الإعلام تكتفي بنقل الخبر كما هو، بل باتت تتعامل مع الأحداث وفق حسابات سياسية تتجاوز حدود المهنية الإعلامية. ويظهر هذا الأمر بوضوح في الطريقة التي يجري فيها تناول أي حادثة فردية تقع في الجنوب، حيث تتحول بسرعة إلى مادة دعائية تُضخم وتُضخ في الفضاء الإعلامي بهدف رسم صورة سلبية عن المجتمع الجنوبي بأكمله، وكأن حادثة جنائية معزولة يمكن أن تختزل تاريخ شعب كامل ونضاله.
خلال الأيام الماضية، ضجت بعض المنابر الإعلامية بما وصفته بـ"جريمة قتل  في الضالع "، متناسية أو متجاهلة حقيقة بسيطة يعرفها الجميع، وهي أن الجريمة الفردية قد تقع في أي مجتمع في العالم، مهما بلغت درجة الاستقرار أو الوعي فيه. فالمجتمعات البشرية بطبيعتها ليست معصومة من الأخطاء الفردية، والجرائم الجنائية حدث يومي في مختلف الدول والمدن، من العواصم الكبرى إلى أصغر القرى. ومع ذلك، فإن المثير للانتباه هو الطريقة الانتقائية التي يجري بها تسليط الضوء على هذه الحوادث عندما تقع في الجنوب تحديداً، في مقابل صمت شبه تام تجاه عشرات أو مئات الجرائم التي تحدث في مناطق أخرى دون أن تتحول إلى قضية سياسية أو إعلامية كبرى.
يكفي النظر إلى ما يحدث في بعض المدن الكبرى في الشمال، حيث تسجل باستمرار حوادث قتل واعتداء ونهب وخلافات مسلحة تسقط فيها ضحايا بشكل شبه يومي، ومع ذلك لا يجري التعامل معها بنفس مستوى التهويل أو التحريض الإعلامي. تمر تلك الأحداث وكأنها وقائع عابرة، بينما تتحول حادثة واحدة في الجنوب إلى عنوان عريض وتحليل سياسي مطول، في محاولة واضحة لخلق انطباع بأن المجتمع الجنوبي يعيش حالة فوضى أو انفلات، وهي صورة لا تعكس الواقع بقدر ما تعكس رغبة في توجيه الرأي العام.
هذا الأسلوب الإعلامي لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع، حيث تبدو بعض المنصات الإعلامية وكأنها جزء من معركة مفتوحة تستهدف الجنوب سياسياً ومعنوياً. فبدلاً من التعامل مع الحدث كقضية جنائية فردية تُدان من قبل المجتمع وتخضع للقانون، يتم تقديمه وكأنه مؤشر على طبيعة المجتمع الجنوبي نفسه، في عملية تعميم لا تستند إلى منطق أو عدالة. والأكثر غرابة أن هذه الحملات تتجاهل موقف أبناء الجنوب أنفسهم، الذين عبّروا مراراً عن رفضهم لأي سلوك إجرامي، مؤكدين أن مثل هذه الأفعال تبقى تصرفات شخصية لا يمكن أن تمثل مدينة بعينها ولا شعباً كاملاً.
إن المجتمع الجنوبي، مثل أي مجتمع آخر، يمتلك منظومة قيم وتقاليد اجتماعية راسخة ترفض العنف والجريمة، وقد أثبت خلال العقود الماضية أنه مجتمع قادر على التماسك في أصعب الظروف. كما أن أبناء الجنوب كانوا في طليعة من دفعوا أثماناً باهظة في ساحات المواجهة المختلفة، حيث سقط آلاف الضحايا في المعارك وعلى خطوط التماس وفي مناطق عدة، بينما كانوا يدافعون عن مناطقهم وأرضهم وسط ظروف معقدة ومتشابكة. هذه التضحيات الكبيرة غالباً ما يتم تجاهلها في الخطاب الإعلامي الذي يفضل التركيز على حادثة فردية معزولة بدلاً من النظر إلى الصورة الكاملة.
المفارقة أن الآلة الإعلامية التي تبالغ في تصوير حادثة واحدة في الجنوب، تتجاهل في المقابل حجم الخسائر البشرية اليومية التي تسقط في مناطق المواجهات المختلفة، حيث يسقط ضحايا بشكل مستمر دون أن يتحول ذلك إلى قضية رأي عام بنفس الزخم. هذا التناقض يكشف أن القضية ليست مرتبطة بالحرص على حياة الإنسان أو رفض العنف، بقدر ما هي مرتبطة بطريقة توظيف الحدث لخدمة خطاب سياسي معين.
ومع ذلك، فإن الموقف الواضح لدى أبناء الجنوب تجاه مثل هذه الحوادث يظل ثابتاً، فهم أول من يدين أي جريمة أو اعتداء يقع داخل مجتمعهم، ويؤكدون أن القانون والعدالة هما الطريق الوحيد للتعامل مع مثل هذه الأفعال. كما يرفض كثيرون بشدة محاولات استغلال حادثة فردية للإساءة إلى مجتمع كامل أو لتشويه صورة مناطق بعينها، سواء كانت الضالع أو غيرها من محافظات الجنوب.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأساسية أن الجريمة الفردية لا يمكن أن تختزل هوية مجتمع كامل، ولا يمكن أن تتحول إلى معيار للحكم على شعب بأكمله. فالمجتمعات تُقاس بتاريخها وثقافتها وقيمها وسلوكها العام، لا بتصرفات فردية يرفضها الجميع. وبينما تستمر بعض المنابر في تضخيم الأحداث وتسييسها، يبقى الوعي المجتمعي هو العامل الأهم في كشف هذه الأساليب، والتأكيد على أن الحقيقة أكبر من أي حملة إعلامية، وأن صوت الواقع يظل أقوى من ضجيج التضليل.

فيديو