الجنوب بين هندسة النفوذ وصناعة الأزمات

الجنوب - منذ 31 دقيقة

عدن  عين الجنوب || خاص

لم يعد الجنوب اليوم مجرد مساحة جغرافية تدور فوقها الصراعات التقليدية، بل تحوّل إلى ساحة مفتوحة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ الإقليمي والدولي، وتتشابك فيها الحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية بصورة معقدة. فمنذ سنوات، يعيش الجنوب حالة استنزاف مستمرة، تتبدل فيها الوجوه والعناوين، لكن الهدف يبقى واحدًا: إبقاء هذه المنطقة الحيوية رهينة للأزمات، ومنعها من الوصول إلى حالة الاستقرار الكامل أو امتلاك قرارها السيادي المستقل.
لقد أثبتت الأحداث أن ما يجري في الجنوب لا يمكن قراءته باعتباره مجرد أزمات عابرة أو إخفاقات حكومية مؤقتة، بل هو جزء من عملية هندسة دقيقة للنفوذ، تُدار عبر أدوات متعددة؛ سياسية واقتصادية وإعلامية وأمنية. فكلما اقترب الجنوب من ترتيب أوضاعه الداخلية أو بناء مؤسسات أكثر تماسكا، تظهر أزمة جديدة تعيد المشهد إلى نقطة الصفر، وكأن هناك من يتقن صناعة الفوضى أكثر من إتقانه لصناعة الحلول.
منذ حرب 1994 وما تلاها من سياسات الإقصاء والتهميش، تشكلت لدى الجنوبيين قناعة راسخة بأن قضيتهم لم تكن مجرد خلاف سياسي، بل صراع على الهوية والثروة والقرار. ومع اندلاع الحرب الأخيرة وتمدد الحوثيين نحو الجنوب، دخلت المنطقة مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا، إذ تحولت عدن وبقية المحافظات الجنوبية إلى مركز لتجاذبات متعددة، بعضها يرفع شعارات دعم الاستقرار، فيما يمارس على الأرض سياسات متناقضة تُبقي الجنوب غارقًا في أزمات الخدمات والاقتصاد والانقسام السياسي.
وفي قلب هذه المعادلة، برزت قوى جنوبية استطاعت أن تفرض حضورها الشعبي والعسكري والسياسي، مستندة إلى قضية تحمل جذورًا تاريخية عميقة. غير أن صعود هذه القوى لم يكن محل ترحيب لدى أطراف عديدة رأت في أي مشروع جنوبي مستقل تهديدًا مباشرًا لمصالحها ونفوذها. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من إدارة الصراع، تقوم على محاصرة الجنوب اقتصاديًا، وإرباكه سياسيًا، وإغراقه بحملات إعلامية ممنهجة تستهدف قياداته ورموزه ومشروعه السياسي.
لقد أصبحت الخدمات الأساسية سلاحًا سياسيًا يُستخدم ضد المواطن الجنوبي. فالانهيار المتكرر للكهرباء، وتدهور العملة، وتعطيل مؤسسات الدولة، وخلق الأزمات المعيشية، ليست مجرد نتائج طبيعية للحرب كما يُراد تصويرها، بل أدوات ضغط تُستخدم لإضعاف أي حالة وطنية جنوبية تحاول فرض نفسها. إذ يدرك خصوم الجنوب أن الشعوب المرهقة اقتصاديًا تصبح أكثر عرضة للتفكك والإحباط، وأقل قدرة على مواصلة معاركها السياسية.
وفي المقابل، فإن الجنوب رغم كل ذلك أظهر قدرة لافتة على الصمود. فحجم التحديات التي واجهها خلال السنوات الماضية كان كفيلًا بإسقاط أي كيان سياسي أو اجتماعي، غير أن حالة الالتفاف الشعبي حول الهوية الجنوبية أبقت القضية حيّة، وأفشلت كثيرًا من محاولات الاحتواء أو التفكيك. بل إن كل أزمة جديدة كانت، في كثير من الأحيان، تزيد من قناعة الشارع الجنوبي بأن معركته الحقيقية ليست فقط ضد خصومه العسكريين، بل أيضًا ضد منظومة كاملة تستفيد من استمرار الفوضى.
إن هندسة النفوذ في الجنوب لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل أصبحت تُدار عبر أدوات أكثر نعومة وخطورة. فالإعلام يلعب دورًا محوريًا في إعادة تشكيل الوعي، وصناعة الانقسامات، وتوجيه الرأي العام نحو معارك جانبية تستنزف المجتمع. كما تُستخدم بعض الملفات الإنسانية والخدمية كوسائل ابتزاز سياسي، بينما تُفتح أبواب الدعم والتمويل وفقًا لمعادلات الولاء لا وفقًا لمصلحة الناس.
وفي ظل هذه التعقيدات، يبدو الجنوب أمام اختبار تاريخي حقيقي. فإما أن ينجح في بناء مشروع سياسي متماسك قادر على إدارة التناقضات الداخلية، وتوحيد الصفوف، وبناء مؤسسات قوية، وإما أن يبقى أسيرًا لدائرة الأزمات التي تُدار بعناية للحفاظ على توازنات النفوذ القائمة. فالقضية اليوم لم تعد مجرد شعارات أو خطابات، بل أصبحت معركة وعي وإدارة ومؤسسات وقدرة على تحويل الإرادة الشعبية إلى مشروع دولة حقيقي.
إن أخطر ما تواجهه الشعوب ليس الاحتلال المباشر فقط، بل تحويل الأزمات إلى نمط حياة دائم، بحيث يعتاد الناس على الفوضى ويصبح الاستقرار حلمًا بعيد المنال. وهذا ما يحاول كثيرون فرضه على الجنوب؛ إبقاؤه في حالة إنهاك دائم، بلا اقتصاد مستقر، ولا مؤسسات مكتملة، ولا أفق سياسي واضح. لكن التجارب التاريخية أثبتت أن الشعوب التي تمتلك قضية عادلة وهوية راسخة قد تتعثر، لكنها لا تموت.
الجنوب اليوم يقف عند مفترق طرق حساس، بين مشروع يسعى إلى استعادة القرار الوطني وبناء دولة تعبّر عن إرادة أبنائه، ومشاريع أخرى ترى في الجنوب مجرد ورقة ضمن خرائط النفوذ الإقليمي والدولي. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الجنوبيين أنفسهم، وقدرتهم على تجاوز الخلافات، وإدراك أن معركة المستقبل لا تُحسم فقط في ميادين القتال، بل أيضًا في ميادين السياسة والاقتصاد والإدارة وبناء الإنسان.

فيديو