د.أمين العلياني

أدوات الإعلام البنكسي: من العبثية إلى الفوضى القيمية في محافظات الجنوب

مقالات - منذ 1 ساعة

في المشهد الجنوبي، حيث تتعانق رياحُ الأحلامِ الوطنية برائحة التاريخ، لا تسير الأمور وفق نواميس السياسة المعهودة، بل وفق قواعد لعبة شطرنج ملعونة، يحرك فيها اللاعب الخفي أحجارًا بشرية وإعلامية، لا ليربح، بل ليبقي الرقعة مشتعلة إلى الأبد. وتلك هي استراتيجية الإدارة بالأزمة، التي تتقنها الرياض في تعاملها مع الجنوب وإرادة شعبه، والتي لا تهدف إلى حلٍّ، بل إلى إدامة النزف تحت عتبة التطبيع المستحيل.

منذ اللحظة التي ضُربت فيها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي العربي في سهول حضرموت ووديان المهرة وأُقصيت قيادته، ومنذ أن أُجلس الوفد الجنوبي على مقعد التهديد ليوقع وثيقة حل ذاته، أدركت الرياض أن الفراغ ليس خصمًا، بل حليف استراتيجي، تفرض عبره واقعًا جديدًا بقسمات محافظين جدد، ليسوا إلا ظلالًا لسلطة متخيلة، يديرون شؤونًا بلا موارد، ويحكمون أرضًا بلا قرار. وهنا، في هذا المستنقع البيروقراطي، انبثقت الظاهرة الأكثر بؤسًا: أدوات إعلامية محلية، مولودة من رحم الغرف المغلقة، ومُدارة عبر جروبات وموجهات، لا لتنقل نبض الشارع وتعبر عن غضبه وتطلعاته، بل لتصنع له نبضًا قسريًا يخلق واقعًا جديدًا يصلح سهلًا في إدارته كملف أمني واقتصادي، لا كقضية وطنية.

لقد تشكل هذا الكيان الإعلامي المشوه مسخًا ذا رأسين: رأس يمعن في التطبيل والتجميل، يسبغ على المحافظ الجديد عند تعيينه أو قراراته هالة من القداسة الزائفة، ويحيك من الوهم صورًا تسويقية مقززة عن رواتب ستصرف وخدمات ستصل وأمن سيستتب، متوهمًا أنه بذلك ينكأ جراح المجلس الانتقالي ويطمس تاريخه النضالي. ورأس آخر أكثر دهاءً وقذارة، يتخذ من نقد السلطات المحلية المدعومة سعوديًا والتشويه بها والتقييم المبتذل ستارًا، ليبقي السلطة المحلية في حالة من العري الدائم والارتهان، كي تظل تلهث خلف سراب الرضا السعودي.

غير أن المتأمل في نسق هذا التوجيه الإعلامي البنكسي يكتشف الحقيقة المرة: إن الرياض لا تبني دولة، ولا تؤسس لخدمات، ولا تعبأ بمعيشة الناس، بل هي ببساطة تسخر الأدوات الإعلامية لإدارة الأزمة، لا لحل القضايا المعيشية ولا لطرح أهداف واضحة تجاه القضية المصيرية. ومن هنا، تخلق الرياض منصات للنزاع الممنهج، حيث ترى فريقًا يتخندق خلف محافظ بعينه، متدرعًا بأبعاد مناطقية وجهوية وأيديولوجية مقيتة، وآخر يهاجمه ويشوه قيادته، في مسرحية هزلية تتحول فيها القضية الوطنية إلى خلاف على مغانم سلطوية وفتات تمويلي. وهكذا، وبعبقرية الشر، تتحول الساحة الجنوبية إلى حلبة صراع أفقي بين الأبناء، تديرها أيادٍ ناعمة من فوق، لتظل القضية العمودية غارقة في غيبوبة النسيان.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم كصفعة على وجوه المتاجرين بالألم: هل أدرك هؤلاء الإعلاميون المُدارون عبر جروبات اللجنة الخاصة، وهذه السلطات العاملة تحت وصاية الرياض، أنهم صاروا ضحايا نزواتهم قبل أن يكونوا ضحايا مموليهم؟ لقد ظنوا أنهم يمتلكون زمام اللعبة، فإذا بهم مجرد بيادق على رقعة لا يفهمون أبعادها، وإذا بالمكاسب المادية والسلطوية الواهية تجعلهم مسخرة أمام إرادة شعبهم الذي كانوا بالأمس يتشدقون بتمثيله، وهم اليوم من يقمعه ويقتله وبموت جوعًا ومعاناةً وهم لا يقدرون على عمل شيء.

إن التاريخ لا يرحم من يجعل من نفسه أداة ممولة على حساب إرادة شعبه وقضيته المصيرية، ومن يستبدل حلم الوطن بحفنة من الدولارات، ويستعيض عن كرامة التحرير بكرسي محافظة من دون سلطان، إنما يحفر قبره بيديه، ويصبح هدفًا للشعب موسومًا بالخيانة، وفريسة سهلة لمن استخدمه، فيُلفظ جثة هامدة، غير صالح حتى لمزبلة التاريخ التي لا تستقبل إلا من ماتوا وهم يحلمون، لا من اختاروا العدم طواعية.

إن ما يجري ليس مجرد تلاعب سياسي، بل انهيار قيمي مروع يخلق فوضى تتسع دائرتها لتبتلع أحلام الشعب وأمنه ومعيشته، وتجعل من الجنوب أرضًا محروقة، لا تنبت فيها إلا أشواك الخيانة والخذلان، في انتظار ريح قادمة لا تبقي ولا تذر.

فيديو