الجنوب بين الوصاية والفوضى.. هل آن الأوان لتركه يقرر مصيره بنفسه

تقارير - منذ 7 ساعات

عدن.عين الجنوب|خاص         


على مدى سنوات طويلة، ظل الجنوب ساحةً لتجارب سياسية وأمنية واقتصادية متعددة، تداخلت فيها المصالح الإقليمية والحسابات الدولية، فيما كان المواطن الجنوبي هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر من أمنه واستقراره ومستوى معيشته. وبينما كانت الوعود تتكرر بإعادة البناء وتحسين الأوضاع وتثبيت الأمن، وجد أبناء الجنوب أنفسهم أمام واقع مختلف يتسم بتدهور الخدمات الأساسية وانهيار العملة وارتفاع معدلات الفقر والبطالة واتساع دائرة المعاناة اليومية.
ويرى كثير من الجنوبيين أن السياسات التي أُدير بها الملف الجنوبي خلال السنوات الماضية لم تحقق الأهداف المعلنة، بل ساهمت في تعقيد المشهد وإطالة أمد الأزمات. فبدلًا من بناء مؤسسات قوية وقادرة على إدارة الموارد وتحقيق التنمية، استمرت حالة الاضطراب الاقتصادي والخدمي، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين الذين باتوا يواجهون أزمات متلاحقة في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم وغلاء المعيشة.
وفي الوقت الذي تتفاقم فيه هذه الأوضاع، يبرز سؤال مهم حول طبيعة العلاقة بين الجنوب والقوى الإقليمية المؤثرة في الملف الجنوبي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. فهناك أصوات جنوبية متزايدة ترى أن تجاهل تطلعات الجنوبيين وعدم منح القوى الجنوبية دورًا أكبر في إدارة شؤون مناطقها أسهم في استمرار الأزمات بدلًا من معالجتها، وأن المرحلة الحالية تتطلب مراجعة شاملة للسياسات السابقة والاعتراف بالمتغيرات التي فرضتها الوقائع على الأرض.
لقد أثبتت الأحداث خلال السنوات الماضية أن القوات الجنوبية كانت من أبرز القوى التي واجهت التنظيمات الإرهابية وساهمت في الحد من نشاطها في العديد من المناطق. كما لعبت دورًا محوريًا في حماية السواحل وخطوط الملاحة القريبة من باب المندب وخليج عدن، وهي مناطق تمثل أهمية استراتيجية للتجارة الدولية وأمن الطاقة العالمي.
ومع تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن، تتزايد القناعة لدى كثير من المراقبين بأن أي استراتيجية ناجحة لحماية الملاحة الدولية لا يمكن أن تتجاهل القوى المحلية الفاعلة على الأرض، وفي مقدمتها القوى الجنوبية التي تمتلك الخبرة الميدانية والانتشار الجغرافي والقدرة على التعامل مع التحديات الأمنية المباشرة.
ويرى مؤيدو هذا الطرح أن استمرار إدارة الملف الجنوبي بعقلية الوصاية السياسية لم يعد مناسبًا للمرحلة الحالية، خصوصًا بعد المتغيرات الكبيرة التي شهدتها المنطقة. فالمطلوب، من وجهة نظرهم، هو الانتقال إلى شراكة حقيقية تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وليس على فرض الرؤى أو تهميش الأطراف التي تمتلك حضورًا وتأثيرًا فعليًا على الأرض.
كما يؤكد هؤلاء أن الجنوب يمتلك من الموارد الطبيعية والموقع الاستراتيجي والإمكانات البشرية ما يؤهله لإدارة شؤونه بصورة أكثر فاعلية إذا ما توفرت له الأدوات والصلاحيات اللازمة. ويعتقدون أن تمكين المؤسسات الجنوبية من إدارة مواردها واتخاذ قراراتها سيسهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية ويعزز الاستقرار السياسي والأمني.
في المقابل، فإن استمرار الأزمات الاقتصادية والخدمية وتراجع مستوى المعيشة يهدد بتوسيع فجوة الثقة بين المواطنين والجهات المسؤولة عن إدارة المشهد، وهو ما يستدعي تحركًا جادًا لمعالجة الأسباب الحقيقية للأزمات بدلًا من الاكتفاء بإدارة نتائجها وتداعياتها.
اليوم يقف الجنوب عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما الاستمرار في دائرة الأزمات والصراعات التي استنزفت الجميع، وإما فتح صفحة جديدة تقوم على الاعتراف بالحقائق التي أفرزتها السنوات الماضية وإشراك القوى الجنوبية في صناعة القرار الأمني والسياسي والاقتصادي. فالأمن والاستقرار في الجنوب لا يمثلان مصلحة محلية فحسب، بل يرتبطان ارتباطًا مباشرًا بأمن المنطقة والممرات البحرية الدولية التي تعد شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كثير من الجنوبيين: هل تدرك القيادة السعودية أن المرحلة تتطلب مراجعة جادة للسياسات السابقة والتعامل مع الجنوب كشريك أساسي في حفظ الأمن والاستقرار؟ أم أن النهج القائم سيستمر رغم ما أفرزه من أزمات وتحديات؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل المرحلة المقبلة ليس للجنوب وحده، بل للمنطقة بأسرها.

فيديو