الجنوب أمام اختبار الإرادة.. تحالفات المصالح تتكسر أمام شعب يرفض الوصاية ويصرّ على تقرير مصيره

تقارير - منذ 3 ساعات

عدن || عين الجنوب || خاص:
لم يعد المشهد السياسي في الجنوب مجرد خلاف عابر بين قوى متنافسة، أو صراعًا تقليديًا على النفوذ والسلطة، بل بات أقرب إلى مواجهة مفتوحة بين إرادة شعب يسعى إلى امتلاك قراره وتحديد مستقبله، وبين مشاريع سياسية ونفوذية تحاول إعادة تشكيل الواقع وفق حساباتها ومصالحها، بعيدًا عن تطلعات أبناء الأرض وقناعاتهم الوطنية.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، تتكشف يومًا بعد آخر حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: الشعوب لا تُخضع بالقوة، والقناعات لا تُنتزع بالسلاح، والإرادة الوطنية لا يمكن محوها بالضغوط أو الصفقات أو ترتيبات النفوذ.
فالجنوب، الذي عاش عقودًا طويلة من الصراعات والتحولات السياسية، لم يعد ذلك الطرف الذي يمكن التعامل معه باعتباره مجرد ساحة مفتوحة للمشاريع المتنافسة، أو ورقة قابلة للتدوير في صفقات إقليمية، أو ملفًا يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى. لقد باتت القضية الجنوبية، بكل أبعادها السياسية والوطنية والتاريخية، حاضرة بقوة في قلب المشهد، وأصبح تجاهلها أو الالتفاف عليها أحد أبرز أسباب استمرار التوتر وعدم الاستقرار.
وتكشف التجربة السياسية أن القوى المتصارعة فكريًا وسياسيًا قد تجد نفسها، في لحظات معينة، متقاطعة عندما يتعلق الأمر بالمصالح والنفوذ. فقد تختلف الشعارات، وتتباين المرجعيات، وتتعدد الخطابات، لكن المصالح السياسية والاقتصادية والتجارية قادرة أحيانًا على خلق مساحات مشتركة بين أطراف تبدو متناقضة في ظاهرها.
وهنا تظهر إحدى أبرز مفارقات المشهد؛ فالقوى التي خاضت صراعات طويلة فيما بينها، وتبادلت الاتهامات والخصومات، قد تجد نفسها في موقع متقارب عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على نفوذها أو مصالحها داخل الجنوب.
ولا تكمن الخطورة في وجود تقاطعات سياسية بحد ذاتها، فالتقاطعات جزء طبيعي من العمل السياسي، وإنما تكمن في أن تتحول القضايا الوطنية إلى مجرد أدوات للمساومة، وأن تصبح إرادة الشعوب تفصيلًا هامشيًا أمام حسابات القوى والنخب ومراكز النفوذ.
فعندما تتقدم المصالح الخاصة على المبادئ، تتحول السياسة من وسيلة لإدارة شؤون الشعوب إلى أداة للسيطرة عليها، وتتحول الأوطان إلى ساحات مفتوحة للصراع، بينما يدفع المواطنون الثمن الأكبر من أمنهم واستقرارهم ومستقبلهم.
قد تتمكن القوة من فرض واقع مؤقت، وقد تستطيع الجيوش السيطرة على المدن، وقد تنجح ترتيبات سياسية معينة في إنتاج حالة من الهدوء المؤقت، لكن التاريخ أثبت أن القوة وحدها عاجزة عن صناعة القناعات.
فالقناعة الوطنية لا تُبنى بالإكراه، والهوية لا تُمحى بالضغط، والإرادة الشعبية لا يمكن إلغاؤها بمجرد تجاهلها أو محاولة الالتفاف عليها.
قد يصمت الناس تحت وطأة الظروف، وقد تتراجع بعض المطالب مرحليًا، وقد تضطر الشعوب إلى إعادة ترتيب أولوياتها نتيجة الضغوط، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تخلت عن قناعاتها أو تنازلت عن حقوقها.
ولهذا فإن أي مشروع سياسي يقوم على فرض الأمر الواقع، ويتجاهل إرادة أبناء الجنوب، سيظل مشروعًا هشًا مهما امتلك من أدوات القوة، لأن المشاريع التي لا تستند إلى قبول شعبي حقيقي تظل معرضة للاهتزاز، مهما طال عمرها.
وأكبر الأخطاء التي يمكن أن ترتكبها القوى السياسية والإقليمية هي التعامل مع الجنوب باعتباره غنيمة سياسية أو ورقة تفاوضية قابلة للتقاسم.
فالجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية، ولا ملفًا يمكن فتحه وإغلاقه وفق مقتضيات التفاوض، ولا ورقة تستخدمها الأطراف لتحقيق مكاسبها الخاصة. إنه أرض وشعب وتاريخ وهوية وذاكرة سياسية متراكمة.
وأبناء الجنوب، رغم اختلافاتهم السياسية والفكرية، يملكون الحق في أن يكونوا أصحاب القرار الأول في تحديد مستقبلهم، واختيار مشروعهم السياسي، وتحديد شكل الدولة التي يريدونها.
أما محاولة صناعة حلول من خارج إرادة الناس، أو فرض ترتيبات سياسية لا تحظى بالحاضنة الشعبية، فلن تؤدي إلا إلى إنتاج أزمات جديدة، لأن تجاهل جذور القضية لا يعني حلها، بل يعني تأجيلها إلى مرحلة أكثر تعقيدًا.
إن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الوصاية، ولا على الإقصاء، ولا على فرض الإرادة من الخارج. فالاستقرار المستدام يحتاج إلى شراكة حقيقية، وإلى احترام إرادة أصحاب الأرض، وإلى الاعتراف بأن الشعوب ليست مجرد أدوات لتنفيذ المشاريع السياسية.
وكلما جرى التعامل مع الجنوب باعتباره ساحة نفوذ، زادت حالة الاحتقان، واتسعت الفجوة بين القوى السياسية والشارع، وتراجعت فرص الوصول إلى حلول عادلة ومستدامة.
فالسلام الذي لا يعالج جذور الصراع يظل سلامًا هشًا، والتسوية التي تتجاوز أصحاب القضية لا يمكن أن تكون تسوية نهائية، والحلول التي تُبنى بعيدًا عن الإرادة الشعبية ستظل مهددة بالسقوط أمام أول اختبار حقيقي.
ومن هنا، فإن أي مسار سياسي جاد يحتاج إلى التعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها قضية شعب، لا مجرد ملف تفاوضي، ومع أبناء الجنوب باعتبارهم أصحاب حق، لا مجرد طرف يمكن تجاوزه أو تهميشه.
قد تنجح بعض القوى في تشكيل تحالفات مؤقتة، وقد تتقاطع مصالح أطراف متناقضة، وقد تتغير مواقف القوى وفقًا للظروف السياسية، لكن كل هذه التحالفات تظل محدودة أمام قوة الإرادة الشعبية.
فالشعوب لا تقيس التحالفات السياسية بالشعارات التي ترفعها، بل بما تتركه على أرض الواقع. ولا تنظر إلى الوعود بقدر ما تنظر إلى حقوقها ومصالحها ومستقبل أبنائها.
ولهذا فإن أي مشروع سياسي لا يحظى بالقبول الشعبي سيظل في مواجهة دائمة مع بيئته، مهما امتلك من المال أو السلاح أو النفوذ.
وقد تستطيع بعض القوى تأخير التغيير، لكنها لا تستطيع إلغاء أسبابه. وقد تتمكن من تعطيل المسار، لكنها لا تستطيع إلى الأبد منع الشعوب من التعبير عن تطلعاتها.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب قد تتعرض للضغط، لكنها لا تتخلى بسهولة عن قناعاتها. وقد تواجه القمع، لكنها تعيد إنتاج مطالبها بأشكال مختلفة. وقد تتراجع خطوة، لكنها لا تنسى حقوقها.
وفي الحالة الجنوبية، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا؛ إذ إن القضية لم تعد مجرد موقف سياسي مؤقت، بل أصبحت جزءًا من وعي جمعي تشكل عبر سنوات طويلة من الأحداث والتجارب.
ولهذا فإن التعامل مع تطلعات أبناء الجنوب بمنطق القوة وحده لن يؤدي إلى إنهاء القضية، بل سيزيد من تعقيدها. كما أن محاولة فرض مشاريع سياسية لا تنسجم مع إرادة الشارع ستبقى عاجزة عن إنتاج استقرار حقيقي.
فالقضايا الوطنية لا تُحل بالصفقات المغلقة، ولا بالمساومات التي تتجاهل أصحاب الحق، ولا بترتيبات فوقية تُصنع بعيدًا عن الشعوب.
إن الجنوب يقف اليوم أمام اختبار تاريخي، ليس فقط بين مشاريع سياسية متنافسة، وإنما بين منطقين مختلفين تمامًا: منطق يرى الشعوب مجرد أدوات يمكن توجيهها، ومنطق يؤمن بأن إرادة الناس هي الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه أي تسوية سياسية.
والفارق بين المنطقين كبير؛ فالأول يقوم على الهيمنة والوصاية وفرض الأمر الواقع، بينما يقوم الثاني على الشراكة والاعتراف والاحترام.
وفي نهاية المطاف، فإن أي قوة سياسية أو إقليمية تسعى إلى بناء مستقبل مستقر في الجنوب، لا يمكنها تجاهل الحقيقة الأساسية: لا استقرار دون احترام إرادة أبناء الجنوب، ولا سلام دائم دون معالجة جذور القضية، ولا مستقبل قابل للحياة دون الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها.
فالجنوب ليس غنيمة تتقاسمها القوى، ولا ساحة لتصفية الحسابات، ولا ورقة تفاوضية تُستخدم لتحقيق مصالح الآخرين. إنه قضية شعب، وإرادة وطن، وتطلعات لا يمكن اختزالها في صفقة أو تسوية مؤقتة.
وإذا كان التاريخ قد أثبت شيئًا، فهو أن القوة قد تؤخر إرادة الشعوب، لكنها لا تستطيع إلغاءها، وأن التحالفات قد تتغير، وأن النفوذ قد يتراجع، وأن موازين القوى قد تنقلب، لكن القناعة التي تتجذر في وجدان شعب تبقى أقوى من كل أدوات الضغط.
ومن الجنوب تأتي الرسالة واضحة: لا يمكن فرض القناعات بالقوة، ولا صناعة الاستقرار بالوصاية، ولا بناء المستقبل بعيدًا عن إرادة الشعوب. فالمستقبل، في نهاية المطاف، سيكون لمن يحترم حق الناس في اختيار طريقهم، ويؤمن بأن الأوطان لا تُدار بمنطق الغنيمة، بل بمنطق الشراكة والحق والاعتراف بإرادة أصحابها.

فيديو