حين يصبح القلم هدفًا.. اعتقال الصحفيين والناشطين يهدد حرية التعبير ويخنق صوت الحقيقة

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن || عين الجنوب|| خاص:
لم تعد حرية الصحافة والتعبير ترفًا يمكن التراجع عنه متى شاءت السلطات أو القوى النافذة، بل أصبحت من أهم ركائز المجتمع الذي يسعى إلى بناء دولة تحترم الإنسان والقانون. ومن هنا فإن اعتقال الصحفيين والناشطين بسبب آرائهم أو كتاباتهم أو مواقفهم يمثل خطرًا حقيقيًا لا يهدد أشخاصًا بعينهم فحسب، وإنما يهدد مساحة التعبير العامة ويبعث برسالة مخيفة إلى كل من يفكر في انتقاد مسؤول أو كشف خلل أو طرح قضية تمس حياة الناس.
فالصحفي ليس خصمًا سياسيًا لمجرد أنه يطرح الأسئلة، والناشط ليس مجرمًا لمجرد أنه يطالب بالإصلاح أو ينتقد أداء مسؤول أو مؤسسة. وظيفة الصحافة والنشاط المدني في أي مجتمع هي طرح القضايا أمام الرأي العام، وكشف أوجه القصور، ونقل معاناة المواطنين، ومساءلة أصحاب القرار، وهي أدوار لا يمكن أن تقوم بها المجتمعات بصورة سليمة إذا أصبح الاعتقال والتخويف وسيلة للرد على الرأي المخالف.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الاختلاف في الرأي إلى تهمة، والنقد إلى جريمة، والكلمة إلى سبب للاعتقال. وعندما يشعر الصحفي أو الناشط بأن مجرد كتابة منشور أو نشر تقرير أو التعبير عن موقف قد يقوده إلى السجن، فإن الخوف يبدأ في فرض نفسه على المجال العام، وتتحول حرية التعبير تدريجيًا إلى ممارسة محفوفة بالمخاطر.
ولا يعني الدفاع عن حرية التعبير منح أي شخص حصانة مطلقة من المساءلة. فالقانون يجب أن يحمي الجميع، والصحفي والناشط وغيرهما مسؤولون عن أفعالهم إذا ارتكبوا جرائم واضحة، لكن المساءلة القانونية شيء، والاعتقال بسبب الرأي أو النقد شيء آخر تمامًا. الفارق بينهما هو وجود قانون عادل وإجراءات قضائية شفافة وضمانات حقيقية تمنع استخدام السلطة لإسكات الخصوم أو المعارضين.
كما أن احترام حرية الصحافة لا يعني السماح بالتشهير أو السب أو التحريض أو انتهاك حقوق الآخرين، وإنما يعني أن تكون هناك حدود قانونية واضحة تطبق على الجميع دون انتقائية، وأن يكون القضاء هو الفيصل، لا الأجهزة الأمنية ولا النفوذ السياسي.
إن اعتقال الصحفيين والناشطين يخلق بيئة من الصمت القسري، وفي مثل هذه البيئة لا تختفي المشكلات، بل تختفي الأصوات التي تكشفها. فالفساد لا ينتهي بإسكات الصحفي، وسوء الخدمات لا يتحسن باعتقال الناشط، والأزمات السياسية لا تُحل بمنع الناس من الحديث عنها. بل إن قمع الأصوات الناقدة غالبًا ما يزيد الاحتقان ويعمّق فقدان الثقة بين المجتمع والسلطة.
والمجتمعات التي تريد الاستقرار الحقيقي لا تحتاج إلى الخوف من الكلمة، بل تحتاج إلى حماية الكلمة المسؤولة. فالاستقرار لا يُبنى بإغلاق أفواه الناس، وإنما بإيجاد مؤسسات قادرة على الاستماع إلى الشكاوى ومعالجة الأخطاء ومحاسبة المقصرين وفق القانون.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع واضحة: الصحفي الذي يعمل بمهنية، والناشط الذي يمارس حقه في التعبير السلمي، والمواطن الذي ينتقد أداء السلطة، يجب ألا يشعروا بأنهم يعيشون تحت تهديد الاعتقال لمجرد اختلافهم في الرأي. فالسلطة القوية لا تخشى النقد، والمؤسسة الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى إسكات منتقديها.
وفي المقابل، تقع على عاتق الصحفيين والناشطين مسؤولية كبيرة في الالتزام بالدقة والموضوعية واحترام الخصوصية والابتعاد عن الشائعات والتحريض والتشهير، لأن الدفاع عن حرية التعبير يرتبط أيضًا بحماية هذه الحرية من إساءة الاستخدام.
إن القضية في جوهرها ليست قضية صحفي واحد أو ناشط واحد، وإنما قضية مجتمع بأكمله. فعندما يُعتقل صاحب قلم بسبب رأيه، يشعر آخرون بالخوف من الكتابة، وعندما يُلاحق ناشط بسبب موقفه، يتردد غيره في المطالبة بحقوقه. وهكذا تتسع دائرة الصمت حتى يصبح الخوف جزءًا من الحياة العامة.
لذلك فإن حماية الصحفيين والناشطين من الاعتقال التعسفي، وضمان حقهم في التعبير والعمل السلمي، ليست امتيازات تمنحها السلطة متى أرادت، وإنما جزء أساسي من بناء مجتمع سليم ودولة تحترم القانون وحقوق الإنسان.
فالكلمة قد تختلف من شخص إلى آخر، لكن حق الإنسان في التعبير يجب أن يبقى محفوظًا. أما تحويل السجون إلى وسيلة لإدارة الخلاف السياسي وإسكات الأصوات الناقدة، فلن يصنع استقرارًا حقيقيًا، بل سيؤجل الانفجار ويزيد الاحتقان.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: إذا كانت السلطة واثقة من عدالة موقفها، فلماذا تخشى من قلم ينتقدها؟ ولماذا يصبح السؤال جريمة، والنقد تهديدًا، والكلمة سببًا للاعتقال؟
إن حماية حرية التعبير ليست حماية للصحفي وحده، بل حماية لحق المجتمع كله في أن يعرف، ويسأل، ويناقش، ويختلف، ويطالب بالإصلاح دون خوف.

فيديو