ثلاثة عقود من التضحيات.. الجنوبيون يدفعون ثمنًا بلا استحقاق سياسي؟

تقارير - منذ 53 دقيقة

عين الجنوب || خاص                  

تعود قضية مشاركة الجنوبيين في مؤسسات ما يُعرف بالشرعية اليمنية، وكذلك انخراطهم في مختلف جبهات القتال، إلى الواجهة مع تجدد النقاش حول الكلفة السياسية التي يمكن أن تترتب على هذه المشاركة، خصوصًا عندما تتم من دون مشروع وطني جنوبي واضح، أو سقف سياسي محدد يضمن أن تتحول التضحيات إلى مكاسب سياسية تلبي تطلعات شعب الجنوب.
فعلى مدى عقود، قدّم الجنوبيون تضحيات كبيرة في مختلف المراحل والمنعطفات، وخاضوا مواجهات عسكرية وسياسية وأمنية، ودفعوا أثمانًا باهظة في سبيل الدفاع عن أرضهم وهويتهم وحقهم في تقرير مستقبلهم. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد متعلقًا بحجم المشاركة الجنوبية في المعارك أو المؤسسات، بقدر ما يتعلق بالهدف السياسي النهائي لهذه المشاركة، وما إذا كانت تقود بالفعل إلى معالجة جوهر القضية الجنوبية أم تعيد إنتاج واقع سياسي سابق بأدوات جديدة.
ويرى مراقبون أن مشاركة الجنوبيين في أي ترتيبات سياسية أو عسكرية لا ينبغي أن تكون منفصلة عن مشروع سياسي واضح، لأن المشاركة بحد ذاتها ليست إنجازًا إذا لم تكن مرتبطة بحقوق ومطالب واستحقاقات محددة. فالوجود في مواقع القرار، أو المشاركة في المؤسسات، أو خوض المعارك، لا يمكن أن يكون بديلًا عن امتلاك رؤية سياسية تحدد موقع الجنوب ومستقبله وشكل العلاقة التي يريدها أبناؤه.
وتبرز أهمية هذا الطرح بصورة أكبر عند النظر إلى مسار السنوات الماضية، حيث تحولت تضحيات الجنوبيين في كثير من المحطات إلى عنصر أساسي في المعادلات العسكرية والسياسية، بينما بقيت القضية الجنوبية في أحيان كثيرة رهينة التسويات المؤجلة، أو جرى التعامل معها باعتبارها ملفًا يمكن تأجيله إلى مرحلة لاحقة.
وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية: ماذا بعد التضحية؟
فإذا كان الجنوبيون يشاركون في القتال، ويقدمون الرجال والمال والجهد، ثم يدخلون في ترتيبات سياسية لا تتضمن ضمانات واضحة لقضيتهم، فإن الخشية تتمثل في أن تتحول تلك التضحيات إلى رصيد تستفيد منه أطراف أخرى، بينما يبقى الاستحقاق السياسي الجنوبي مؤجلًا إلى أجل غير مسمى.
ولا يعني ذلك أن المشاركة السياسية أو العسكرية مرفوضة في ذاتها، بل إن جوهر المسألة يرتبط بشروط هذه المشاركة وأهدافها ومخرجاتها. فالمشاركة التي تستند إلى مشروع وطني واضح يمكن أن تتحول إلى وسيلة لحماية المصالح الجنوبية وتعزيز الحضور السياسي، بينما المشاركة المفتوحة بلا سقف سياسي قد تجعل الجنوب طرفًا في معارك الآخرين أكثر من كونه صاحب قضية يسعى إلى تحقيق أهدافه الوطنية.
لقد أثبتت التجربة أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة مكاسب سياسية دائمة، كما أن الحضور السياسي وحده لا يضمن تحقيق المطالب ما لم يستند إلى قوة شعبية ومؤسساتية قادرة على حماية تلك المطالب. ولذلك فإن التحدي أمام القوى الجنوبية يتمثل في إيجاد معادلة متوازنة بين العمل السياسي والحضور العسكري والشعبي، بحيث تكون جميعها في خدمة مشروع سياسي واضح المعالم.
كما أن التضحيات التي قدمها أبناء الجنوب خلال العقود الماضية لا ينبغي أن تُختزل في أرقام أو مناسبات أو خطابات سياسية، وإنما يجب أن تكون جزءًا من الذاكرة الوطنية الجنوبية ومن الأساس الذي تُبنى عليه أي تسوية مستقبلية. فالدماء التي سالت، والمواجهات التي خاضها الجنوبيون، والسنوات الطويلة من الحراك والنضال السياسي، تمثل في نظر أنصار القضية الجنوبية رصيدًا وطنيًا لا يمكن تجاوزه عند صياغة مستقبل المنطقة.
ومن هنا، فإن أي تسوية سياسية قادمة تتجاهل القضية الجنوبية أو تؤجلها مرة أخرى قد تجد نفسها أمام المشكلة ذاتها التي حالت دون استقرار المشهد طوال السنوات الماضية. فالقضايا السياسية لا تختفي بمجرد تجاوزها في الاتفاقات، وإنما تبقى حاضرة ما دامت أسبابها ومطالب أصحابها قائمة.
ويؤكد هذا الواقع أن المطلوب ليس مجرد زيادة عدد الجنوبيين في مؤسسات السلطة، ولا منحهم مواقع إضافية داخل هياكل سياسية قائمة، وإنما الانتقال من مبدأ المشاركة الشكلية إلى مبدأ الشراكة السياسية القائمة على الاعتراف بالحقوق وتحديد مستقبل واضح للجنوب.
فالمشاركة في القرار يجب أن تكون مرتبطة بقدرة حقيقية على التأثير، والمشاركة في القتال يجب أن تكون مرتبطة بأهداف سياسية واضحة، وأي حضور جنوبي في مؤسسات الدولة ينبغي ألا يتحول إلى غطاء لاستمرار واقع سياسي لا يلبي تطلعات أبناء الجنوب.
وفي المقابل، فإن امتلاك مشروع سياسي جنوبي واضح لا يعني الانغلاق أمام الحوار أو رفض التسويات السياسية، بل يعني الدخول إلى أي حوار من موقع صاحب قضية ورؤية، وبأهداف محددة وضمانات واضحة، وليس باعتبار الجنوب مجرد مكوّن من مكونات معادلة سياسية أوسع.
لقد تغيرت المعادلات خلال السنوات الماضية، وفرضت التطورات العسكرية والسياسية حضور الجنوب كطرف لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات مستقبلية. لكن الحفاظ على هذا الحضور وتحويله إلى مكاسب سياسية يتطلب وضوحًا في الرؤية، ووحدة في الموقف، وربطًا مباشرًا بين التضحيات والنتائج السياسية.
وبذلك يصبح السؤال الأهم أمام القوى الجنوبية اليوم: هل تستمر المشاركة باعتبارها غاية بحد ذاتها، أم تتحول إلى وسيلة لتحقيق مشروع سياسي يلبي تطلعات شعب الجنوب؟
فالجنوب، وفق هذا الطرح، لا يحتاج إلى مشاركة تستهلك رصيده الشعبي والعسكري دون مقابل سياسي، وإنما إلى مشاركة محسوبة، تنطلق من ثوابته الوطنية، وتحمي مكتسباته، وتضع القضية الجنوبية في قلب أي عملية سياسية قادمة.
وبعد ثلاثة عقود من النضال والتضحيات، فإن إبقاء الاستحقاق السياسي الجنوبي مفتوحًا بلا سقف أو ضمانات يعني عمليًا ترك مستقبل هذه التضحيات رهينة للتسويات المتغيرة. أما تحويلها إلى مشروع سياسي واضح، يحفظ الحقوق والمكتسبات ويضع تطلعات شعب الجنوب على طاولة التفاوض باعتبارها قضية رئيسية، فهو السبيل الذي يراه أنصار القضية الجنوبية لضمان ألا تتحول سنوات الكفاح إلى مجرد صفحة في سجل الحروب، بل إلى أساس لبناء مستقبل سياسي جديد.

فيديو