من يملك قرار الحرب والسلام الشرعية بين واجهة القرار ووصاية الرياض

تقارير - منذ 48 دقيقة

عين الجنوب خاص                     

في المشهد اليمني المعقد، تبدو معادلة الحرب والسلام أكثر التباسًا من أي وقت مضى؛ فبينما تظهرماتسمى بالحكومة الشرعيه المعترف بها دوليًا ومجلس القيادة الرئاسي باعتبارهما العنوان الرسمي للدولة، تظل الأسئلة الأصعب معلقة حول حدود استقلال قرارهما السياسي والعسكري، وحول الجهة التي تملك فعليًا القدرة على دفع المشهد نحو التصعيد أو إعادته إلى طاولة المفاوضات.
وليس من السهل اختزال هذه المسألة في شعار سياسي، لكن الوقائع خلال السنوات الماضية تكشف أن العلاقة بين الرياض ومؤسسات السلطة اليمنية المعترف بها دوليًا أصبحت عميقة إلى درجة جعلت كثيرًا من القرارات الكبرى مرتبطة بموازين الدعم السياسي والعسكري والمالي الخارجي. وقد أشار مركز الشرق الأوسط في معهد الشرق الأوسط، في تحليل نشر في فبراير 2026، إلى أن السعودية أصبحت تتحمل رواتب وتكاليف عدد من التشكيلات العسكرية التي كانت مدعومة سابقًا من الإمارات، بما في ذلك تشكيلات جنوبية وقوات المقاومة الوطنية، وهو ما يعكس حجم النفوذ المالي والعسكري السعودي في بنية المعسكر المناهض للحوثيين.
ومنذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، كان الهدف المعلن توحيد القوى المناهضة للحوثيين ضمن قيادة جماعية واحدة. غير أن المجلس لم ينشأ في فراغ سياسي، بل جاء في سياق إقليمي كانت فيه السعودية صاحبة الدور الأبرز في إعادة ترتيب السلطة داخل المعسكر المناهض للحوثيين. وتشير دراسات وتحليلات دولية إلى أن المجلس واجه منذ تأسيسه انقسامات داخلية وتباينًا في ولاءات القوى المكونة له، إلى جانب تأثير القوى الإقليمية، الأمر الذي جعل عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيدًا.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية: السلطة التي يفترض أن تمتلك القرار السيادي الكامل في الحرب والسلام، تعتمد بدرجات كبيرة على الدعم الخارجي في التمويل والتسليح والسياسة، بينما تظل القوات المناهضة للحوثيين موزعة بين تشكيلات ومراكز نفوذ متعددة. ويشير تقرير BTI لعام 2026 إلى أن عددًا من القوى المسلحة اليمنية ترعى من قبل أطراف مختلفة في التحالف الذي قادته السعودية، وأن هذه التشكيلات أصبحت جزءًا من تركيبة المشهد العسكري والسياسي اليمني.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يعلن الحرب؟ بل من يمتلك القدرة على تنفيذها وتمويلها وإدارتها؟ ومن يستطيع وقفها إذا تغيرت الحسابات الإقليمية؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية أكبر مع التصعيد الأخير. ففي يوليو 2026، أعلنت قيادة مجلس القيادة الرئاسي رفع الجاهزية العسكرية لمواجهة الحوثيين، بينما تصاعدت في الوقت نفسه الدعوات والتحركات الإقليمية لاحتواء التوتر. وفي أغسطس، اتخذ الخطاب الرسمي منحى أكثر حدة، إذ أعلن رئيس المجلس رشاد العليمي أن الحكومة لن تسمح للحوثيين باحتكار قرار الحرب والسلام.
لكن المفارقة أن الحديث عن احتكار قرار الحرب والسلام يأتي في لحظة يتداخل فيها القرار اليمني بصورة غير مسبوقة مع الحسابات الإقليمية. فالسعودية ليست مجرد دولة داعمة سياسيًا للحكومة اليمنية؛ بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في تمويل عدد من التشكيلات العسكرية، وفي إدارة الملف السياسي والأمني المرتبط بالحكومة المعترف بها دوليًا. كما أن اجتماعات مجلس القيادة الرئاسي في الرياض، واستمرار الدعم السعودي، يقدمان صورة واضحة عن مركز الثقل الإقليمي الذي يتحرك ضمنه المجلس. وقد جدد المجلس في فبراير 2026 إشادته بالدعم السعودي المستمر، في مؤشر آخر على طبيعة العلاقة المالية والسياسية بين الطرفين.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل قرار يصدر عن مجلس القيادة هو قرار سعودي مباشر، فهذه صياغة تحتاج إلى أدلة محددة لكل واقعة، ولا يصح التعامل معها كحقيقة مطلقة. لكن من الصعب أيضًا تجاهل حقيقة أن قدرة المجلس على التحرك العسكري والسياسي ترتبط بشبكة واسعة من الدعم الخارجي، وأن السعودية تملك أدوات تأثير كبيرة داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
وتكشف التطورات الأخيرة أهمية هذه الحقيقة. فقد حذرت الأمم المتحدة في أغسطس 2026 من أن اليمن يواجه أخطر احتمال للعودة إلى حرب واسعة النطاق منذ هدنة 2022، في ظل تصاعد العمليات العسكرية بين الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة سعوديًا. كما أشارت الأمم المتحدة إلى أن أكثر من نصف السكان يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، وأن نحو ستة ملايين شخص باتوا على حافة المجاعة.
هذه الأرقام تجعل قرار الحرب أكثر من مجرد قرار عسكري؛ إنه قرار يدفع ثمنه مجتمع بأكمله. فاليمن الذي أنهكته سنوات الحرب لا يملك رفاهية الدخول في جولة جديدة كلما تغيرت الحسابات الإقليمية، ولا يستطيع تحمل أن تصبح جبهاته الداخلية امتدادًا للصراعات بين القوى الخارجية.
والأخطر أن الاقتصاد اليمني نفسه أصبح جزءًا من معادلة النفوذ. فمع انهيار الإيرادات وتراجع صادرات النفط وتعدد السلطات النقدية والاقتصادية، أصبحت الحكومة في وضع مالي شديد الهشاشة، الأمر الذي يزيد اعتمادها على الدعم الخارجي. وكلما ازداد الاعتماد المالي، تضاءلت مساحة القرار المستقل، ليس بالضرورة عبر أوامر مباشرة، وإنما من خلال طبيعة المصالح والالتزامات والقدرة على التحكم في الموارد.
ومن هنا تأتي العبارة التي تتردد في الشارع اليمني: "من يدفع يملك جزءًا من القرار". وهي ليست قاعدة مطلقة، لكنها تصف جانبًا مهمًا من واقع دولة تعاني من انقسام مؤسساتها وتعدد مراكز القوة فيها.
فالقرار السياسي لا يصنعه الخطاب وحده، والقرار العسكري لا يصدر من مكتب سياسي فقط. الحرب تحتاج إلى رواتب وتسليح وذخيرة وإمداد واستخبارات وغطاء سياسي، والسلام يحتاج إلى قدرة تفاوضية واقتصادية وأمنية. وعندما تكون هذه الأدوات موزعة بين الداخل والخارج، يصبح الحديث عن الاستقلال الكامل للقرار بحاجة إلى مراجعة جدية.
وفي المقابل، فإن تحميل السعودية وحدها مسؤولية كل قرار تتخذه السلطة اليمنية سيكون تبسيطًا للمشهد أيضًا. فاليمن يضم قوى سياسية وعسكرية متعددة، ولكل منها مصالحها وحساباتها وتحالفاتها، كما أن الحوثيين أنفسهم يمثلون طرفًا رئيسيًا يمتلك قدرة مستقلة على فرض الوقائع العسكرية والسياسية. وقد شهد أغسطس 2026 تصعيدًا حوثيًا واسعًا، دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من انزلاق جديد نحو حرب مفتوحة.
لكن جوهر المشكلة يبقى في غياب مركز قرار يمني موحد قادر على إدارة الحرب والسلام وفق رؤية وطنية جامعة. فحين تكون السلطة موزعة، والقوات متعددة، والموارد محدودة، والدعم الخارجي حاسمًا، يصبح القرار الوطني عرضة للتأثر بأولويات الحلفاء الإقليميين.
ولهذا فإن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس ما إذا كانت "الشرعية" ستذهب إلى الحرب أم السلام، وإنما: هل تستطيع أن تتخذ قرارًا مستقلًا في الحالتين؟
إذا اتجهت المنطقة إلى التصعيد، فإن القوى المرتبطة بالتحالفات الإقليمية قد تجد نفسها مضطرة إلى رفع الجاهزية والانخراط في المواجهة. وإذا عادت الرياض إلى التهدئة والتفاوض، فإن الطريق إلى الحوار سيصبح أكثر انفتاحًا. وفي الحالتين، يظل حجم التأثير الخارجي عاملًا لا يمكن تجاهله في فهم سلوك الحكومة ومجلس القيادة.
وقد أكدت التطورات الأخيرة هذه الحساسية؛ فبينما تتصاعد المواجهات، تستمر الدعوات الدولية إلى العودة للمفاوضات، في وقت تحاول فيه الأطراف الإقليمية منع تحول اليمن إلى ساحة أوسع للصراع. وحذّر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ من أن التصعيد العسكري قد ينسف فرص التسوية السياسية الهشة، رغم بقاء إمكانية الحل التفاوضي قائمة.
وفي نهاية المطاف، فإن اليمن لا يحتاج إلى سلطة تتلقى الإشارات من الخارج بقدر ما يحتاج إلى مؤسسة قرار وطنية قادرة على تحديد أولويات الحرب والسلام بعيدًا عن الحسابات الخارجية. فالسيادة ليست بيانًا سياسيًا، ولا شعارًا يرفع في المؤتمرات، وإنما قدرة حقيقية على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته.
وما لم تُستعد هذه القدرة، سيبقى المشهد اليمني أسير معادلة مؤلمة: سلطة تملك الشرعية القانونية، لكنها تواجه قيودًا كبيرة في أدوات القوة والتمويل؛ وقوى عسكرية تملك نفوذًا على الأرض دون أن تمتلك بالضرورة مشروع دولة موحدًا؛ وأطراف إقليمية تملك أدوات التأثير التي تجعل قرار الحرب والسلام مرتبطًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بحساباتها.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى: اليمنيون هم من يدفعون ثمن الحرب، وهم من يعيشون نتائج السلام، لكن السؤال الذي لا يزال بلا إجابة حاسمة هو: من يملك القرار عندما تبدأ المدافع، ومن يملك القرار عندما تبدأ المفاوضات؟
فإذا بقي القرار موزعًا بين الداخل والخارج، فإن الحديث عن حرب يمنية خالصة أو سلام يمني خالص سيظل بعيدًا عن حقيقة المشهد. أما الطريق إلى سلام مستدام، فيبدأ من إعادة بناء مركز قرار وطني حقيقي، قادر على أن يقول "نعم" أو "لا" انطلاقًا من مصلحة اليمن، لا من اتجاه الرياح الإقليمية.

فيديو