هجمات حوثية تفتح ملف استهداف المدنيين و18مدنيا بين قتيل وجريح في أيام

تقارير - منذ 31 دقيقة

عين الجنوب|| خاص :
تعود مأساة المدنيين إلى واجهة المشهد اليمني من جديد، مع تصاعد الهجمات التي تستخدم الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في استهداف مناطق مأهولة وأعيان مدنية، وسط تحذيرات حقوقية من أن استمرار هذا النمط من العنف يفاقم الكلفة الإنسانية لحرب طال أمدها وأثقلت كاهل اليمنيين.
وبحسب ما أعلنته الشبكة اليمنية لروابط الضحايا خلال مؤتمر صحافي في مأرب، فقد أسفرت الهجمات التي وثقتها الشبكة خلال الفترة الممتدة من 4 إلى 15 أغسطس 2026 عن مقتل وإصابة 18 مدنيًا في عدد من المحافظات، بينها مأرب وتعز والحديدة.
وتكشف الأرقام المعلنة حجم الخطر الذي يواجه المدنيين في المناطق الواقعة ضمن نطاق الهجمات، خصوصًا مع انتقال القصف إلى مناطق سكنية ومخيمات للنازحين، وهي أماكن يفترض أن تحظى بأعلى درجات الحماية في ظل قواعد القانون الدولي الإنساني.
وكان مخيم جو النسيم للنازحين في محافظة مأرب من أبرز المواقع التي تعرضت للهجوم في 7 أغسطس، حيث أفادت الشبكة بمقتل مدنيين اثنين وإصابة 14 آخرين، بينهم نساء وأطفال، فضلًا عن أضرار لحقت بمساكن النازحين وشبكات المياه والصرف الصحي وممتلكات خاصة.
وتكتسب حادثة المخيم خطورتها من كونها استهدفت تجمعًا للنازحين الذين فروا أصلًا من مناطق الصراع بحثًا عن الأمان. فبدل أن يجد هؤلاء المدنيون ملاذًا يحميهم من تداعيات الحرب، وجدوا أنفسهم مجددًا في دائرة الخطر، بما يعكس هشاشة الوضع الإنساني والأمني في مناطق النزوح.
ولم تتوقف الهجمات، وفق الشبكة، عند مأرب، إذ شملت عمليات الرصد مناطق في المخا والخوخة والحديدة وتعز، إلى جانب استهداف مناطق سكنية في مدينة مأرب، الأمر الذي أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وأضرار مادية.
كما أشارت الشبكة إلى حادثة استهداف سفينة تجارية في المياه الدولية بالقرب من مضيق باب المندب، والتي أسفرت، وفق إفادتها، عن مقتل ثلاثة من أفراد طاقمها وإصابة آخرين أثناء عمليات الإنقاذ، في تطور يضيف بُعدًا آخر للأزمة، إذ لا تقتصر تداعيات الهجمات على الداخل اليمني، بل تمتد إلى الملاحة التجارية وحركة السفن في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
وبالنظر إلى حصيلة الضحايا المعلنة، فإن 18 مدنيًا بين قتيل وجريح خلال نحو 12 يومًا من عمليات الرصد تعني أن المدنيين يدفعون ثمنًا مباشرًا للتصعيد العسكري، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من أزمة اقتصادية وإنسانية عميقة.
وتقول الشبكة اليمنية لروابط الضحايا إن هذه الهجمات تمثل نمطًا متكررًا من استهداف المدنيين والأعيان المدنية، ووصفتها بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مطالبة بفتح تحقيقات مستقلة لتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين التوثيق الحقوقي وبين الحكم القضائي النهائي؛ فإثبات المسؤولية القانونية عن جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية يحتاج إلى تحقيق مستقل وجمع للأدلة والتحقق من ظروف كل حادثة، وهو ما يجعل الدعوة إلى التحقيق الدولي المستقل ذات أهمية خاصة.
ولا تكمن خطورة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في طبيعة السلاح وحدها، وإنما في كيفية استخدامه ومكان الاستهداف والهدف المقصود والاحتياطات المتخذة لحماية المدنيين. وعندما تصل الهجمات إلى الأحياء السكنية ومخيمات النازحين والمنشآت المدنية، تصبح المخاطر على السكان أكثر اتساعًا، خصوصًا في ظل ضعف منظومات الحماية والاستجابة الإنسانية.
وفي مأرب تحديدًا، تكتسب الهجمات على مخيمات النازحين حساسية مضاعفة، إذ تستضيف المحافظة أعدادًا كبيرة من الأسر التي اضطرت إلى مغادرة مناطقها بسبب الحرب. وأي استهداف جديد لهذه المخيمات يعني عمليًا إعادة إنتاج دائرة النزوح والخوف والفقر، وتحويل المدنيين الذين فقدوا منازلهم إلى ضحايا متكررين للصراع.
كما أن الأضرار التي لحقت، وفق التوثيق المعلن، بشبكات المياه والصرف الصحي والممتلكات الخاصة لا تمثل خسائر مادية فحسب، بل يمكن أن تتحول إلى أزمة إنسانية إضافية، خصوصًا إذا أدت إلى تعطيل الخدمات الأساسية أو صعوبة وصول النازحين إلى المياه النظيفة والمرافق الصحية.
أما باب المندب، فإن استهداف السفن التجارية يضع الملف اليمني أمام تداعيات إقليمية ودولية أوسع، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للممر البحري لحركة التجارة العالمية. وأي تدهور أمني مستمر في المنطقة قد يرفع كلفة النقل والتأمين ويؤثر في خطوط الإمداد، فضلًا عن المخاطر التي تهدد أطقم السفن والعاملين في البحر.
وفي ظل هذه التطورات، تعود الدعوات إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لحماية المدنيين، وعدم الاكتفاء بإصدار بيانات الإدانة، إلى جانب دعم آليات التحقيق والتوثيق المستقلة.
وتضع الأرقام التي أعلنتها الشبكة الحقوقية المجتمع الدولي أمام اختبار جديد: هل ستبقى الانتهاكات مجرد أرقام في تقارير دورية، أم تتحول إلى ملفات تحقيق ومساءلة حقيقية؟
فخلف رقم 18 قتيلًا وجريحًا عائلات فقدت أحباءها، وأطفال أصيبوا، ونازحون تعرضت مساكنهم للتدمير، وأسر تبحث عن مكان أكثر أمنًا، فضلًا عن طواقم بحرية دفعت حياتها ثمنًا للتوتر المتصاعد في واحد من أهم الممرات البحرية.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن لأي حل سياسي في اليمن أن ينجح بينما يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في معادلة الحرب. حماية السكان والأعيان المدنية، والتحقيق في الهجمات، ومحاسبة المسؤولين عنها، ليست مطالب سياسية عابرة، بل التزامات أساسية تفرضها قواعد القانون الدولي الإنساني.
وبينما تتواصل الحرب بأشكال مختلفة، يبقى المدني اليمني هو الخاسر الأكبر؛ يدفع ثمن الصواريخ والطائرات المسيّرة، ويدفع أيضًا ثمن انهيار الاقتصاد والخدمات والنزوح والخوف. وما لم تتوقف دائرة استهداف المدنيين، فإن كل رقم جديد في قوائم الضحايا سيظل شاهدًا على حرب لم تكتفِ بتدمير المدن، بل امتدت آثارها إلى حياة الناس وأمنهم ومستقبلهم.

فيديو