الدولة الجنوبية قادمة.. إرادة شعب لا تُهزم ومشروع وطن يقترب من استعادة السيادة

تقارير - منذ ساعتان

عدن||عين الجنوب ||خاص:
لم تعد الدولة الجنوبية المنشودة مجرد حلم يراود أبناء الجنوب العربي، أو شعاراً سياسياً يُرفع في المناسبات والميادين، بل أصبحت مشروعاً وطنياً متجذراً في الوعي الشعبي، وقضية تتجاوز حدود اللحظة السياسية الراهنة، لتعبّر عن تطلعات شعب يطمح إلى استعادة دولته وهويته وقراره السيادي على أرضه وترابه الوطني. ومع تصاعد التحولات السياسية والعسكرية والإقليمية، تتجدد قناعة الجنوبيين بأن مستقبلهم لا يمكن أن يُرسم بعيداً عن إرادتهم، وأن أي تسوية لا تعترف بحقهم في تقرير مصيرهم ستظل عاجزة عن صناعة سلام حقيقي ومستدام.

الدولة الجنوبية قادمة بإرادة شعبها، لا بمنح الآخرين ولا بقرارات الوصاية، هكذا يختصر كثير من أبناء الجنوب جوهر مشروعهم الوطني، الذي يرون أنه يستند إلى تاريخ سياسي وهوية وطنية وتضحيات جسيمة قدمها أبناء الجنوب خلال سنوات طويلة من الصراع. فالمسألة، في نظر أنصار هذا المشروع، ليست مجرد تغيير في شكل السلطة أو توزيع المناصب، وإنما تتعلق بمستقبل وطن كامل، وبحق شعب في أن تكون له دولة تعبّر عن تطلعاته وتحمي مصالحه وتدير شؤونه بعيداً عن التبعية والإملاءات.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن القضية الجنوبية لا يمكن تجاوزها أو التعامل معها باعتبارها ملفاً هامشياً في أي مفاوضات سياسية. فكلما حاولت بعض الأطراف الالتفاف عليها أو تأجيلها أو اختزالها في ترتيبات مؤقتة، عادت القضية إلى الواجهة بصورة أكثر حضوراً، مستندة إلى قاعدة شعبية واسعة ترى في استعادة الدولة الجنوبية هدفاً وطنياً لا يمكن التنازل عنه مقابل مكاسب سياسية عابرة أو وعود لا تلامس جوهر المطالب.

وفي خضم هذه التحولات، يبرز الجنوب بوصفه طرفاً سياسياً لا يمكن تجاهله في معادلات المنطقة، خصوصاً في ظل الأهمية الجغرافية والاستراتيجية التي يتمتع بها، وإطلالته على ممرات بحرية حيوية وموقعه المؤثر في أمن الملاحة والتجارة الدولية. وهي عوامل تجعل مستقبل الجنوب مرتبطاً، بصورة أو بأخرى، بحسابات إقليمية ودولية أوسع، لكنها في الوقت ذاته تضع أمام القوى الجنوبية مسؤولية كبيرة تتمثل في تحويل هذه الأهمية إلى مشروع سياسي مستقر ومؤسسات قادرة على حماية المصالح الوطنية.

ويرى أنصار الدولة الجنوبية أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة شعارات فقط، بل مرحلة تتطلب بناء مؤسسات سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية متماسكة، قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين، وتوفير الخدمات، وحماية الحقوق والحريات، وترسيخ العدالة وسيادة القانون. فالدولة التي ينشدها الجنوبيون لا ينبغي أن تكون مجرد عنوان سياسي، وإنما مشروعاً متكاملاً يضمن كرامة الإنسان، ويمنح المواطن فرصاً حقيقية للحياة الكريمة، ويؤسس لعلاقة متوازنة بين السلطة والمجتمع.

كما أن وحدة الصف الجنوبي تمثل، في نظر كثيرين، إحدى أهم الركائز التي يتوقف عليها مستقبل هذا المشروع. فالتحديات التي تواجه الجنوب، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو أمنية، تتطلب تجاوز الخلافات الداخلية وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الشخصية والحزبية. ولا يمكن لمشروع وطني بحجم استعادة الدولة أن يحقق أهدافه إذا ظل أسير الانقسامات أو الصراعات على النفوذ والمواقع، الأمر الذي يجعل الحوار الجنوبي والتوافق الوطني ضرورة لا تقل أهمية عن أي تحرك سياسي آخر.

وفي المقابل، فإن الطريق نحو تحقيق تطلعات الجنوبيين لا يخلو من التعقيدات والتحديات. فالمشهد الإقليمي متشابك، والمصالح الدولية متغيرة، والملفات اليمنية والجنوبية تتداخل فيها حسابات عديدة، ما يفرض على القوى الجنوبية التعامل بواقعية سياسية، والتمسك بأهدافها الوطنية مع امتلاك القدرة على قراءة المتغيرات واستثمار الفرص، بعيداً عن الرهانات غير المحسوبة أو الوعود التي لا تستند إلى ضمانات واضحة.

إن الرسالة التي يوجهها أنصار المشروع الجنوبي إلى مختلف الأطراف مفادها أن السلام لا يمكن أن يُبنى على تجاهل إرادة الشعوب، وأن أي تسوية سياسية تتعامل مع الجنوب باعتباره مجرد ورقة تفاوضية أو ساحة لتبادل المصالح ستظل تسوية هشة، مهما حظيت بالدعم أو الترويج. فالقضايا الوطنية الكبرى لا تُحل بقرارات فوقية، وإنما عبر الاعتراف المتبادل والحوارات الجادة التي تضع حقوق الشعوب وتطلعاتها في صدارة الأولويات.

ومن هنا، تتصاعد الدعوات إلى ضرورة التعامل مع القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية ذات جذور تاريخية وواقع شعبي لا يمكن تجاوزه، والبحث عن حلول عادلة تضمن حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم، وتفتح الطريق أمام مرحلة جديدة تقوم على الاستقرار والشراكة والاحترام المتبادل.

وبين التحديات القائمة والتطلعات المتجددة، يظل أبناء الجنوب متمسكين بمشروعهم الوطني، مؤكدين أن سنوات الحرب والمعاناة لم تبدد حلم الدولة، بل جعلته أكثر حضوراً في الوجدان الشعبي. فالتضحيات التي قدمها أبناء الجنوب، وما رافقها من آلام وخسائر، تضع أمام القيادات والقوى السياسية مسؤولية تاريخية تتمثل في تحويل هذه التضحيات إلى مسار سياسي واضح، يضمن عدم تكرار المآسي، ويؤسس لمستقبل أكثر أمناً واستقراراً.

الدولة الجنوبية قادمة في وجدان أنصارها بوصفها مشروع وطن وحقاً في تقرير المصير، لكن الوصول إليها يظل مرهوناً بقدرة الجنوبيين على توحيد صفوفهم، وبناء مؤسساتهم، وإدارة خلافاتهم بحكمة، وتقديم نموذج سياسي يحترم الإنسان ويصون الحقوق ويستجيب لمتطلبات الحياة اليومية.
إن الجنوب الذي يطمح إلى استعادة دولته لا يبحث عن مجرد إعلان سياسي، بل عن وطن يستطيع أبناؤه أن يعيشوا فيه بأمان وكرامة، وأن تكون ثرواته ومقدراته في خدمة تنميته ومستقبل أجياله. وبين إرادة شعبه وتعقيدات الواقع، يبقى المشروع الجنوبي حاضراً بقوة في المشهد، وتبقى الرسالة واضحة: لا سلام مستداماً دون معالجة عادلة للقضية الجنوبية، ولا مستقبل مستقراً دون احترام إرادة أبناء الجنوب وتطلعاتهم الوطنية.
فالدولة التي يحلم بها الجنوبيون ليست مجرد اسم على خارطة، بل قضية وطن وهوية ومستقبل. وما بين الحلم والعمل، تبقى المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً للقيادات والقوى الجنوبية، وقدرتها على الانتقال من خطاب المطالب إلى بناء مشروع سياسي ومؤسسي قادر على تحقيق تطلعات الشعب، وصناعة مستقبل يليق بتضحياته وآماله.

فيديو