مجزرة الضالع.. هروب حوثي من المواجهة المباشرة على حدود الجنوب باستهداف المستجدين وعجز عن كسر الإرادة الجنوبية

تقارير - 10 hours ago

عدن ، عين الجنوب ||خاص           

في مشهد دموي جديد يعكس خطورة التصعيد العسكري الذي يستهدف الجنوب العربي، جاءت المجزرة الصاروخية التي شهدتها محافظة الضالع لتفتح بابًا واسعًا أمام التساؤلات بشأن طبيعة الاستراتيجية العسكرية التي تتبعها مليشيا الحوثي، ومدى ارتباط استهداف المعسكرات ومراكز التدريب بمحاولات تعويض الإخفاق في المواجهات المباشرة على جبهات الحدود الجنوبية. فبينما تفرض القوات الجنوبية حضورها الميداني وتواصل استعداداتها للدفاع عن الأرض، تتجه الهجمات الحوثية نحو مواقع تجمع المستجدين، في جريمة تضاف إلى سجل طويل من الاستهدافات التي تطال العسكريين والمدنيين على حد سواء.
إن استهداف معسكر العللة التدريبي شمالي محافظة الضالع، وما أسفر عنه من سقوط شهداء وجرحى وفق المعلومات المتداولة، يمثل تطورًا بالغ الخطورة في مسار المواجهة، ويكشف حجم التهديد الذي لا يزال يحيط بالجنوب، خصوصًا في ظل استمرار محاولات الحوثيين توسيع دائرة الضغط العسكري عبر الضربات الصاروخية والهجمات التي تستهدف مواقع بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر.
وتبرز الضالع، بما تمثله من أهمية استراتيجية وتاريخية في معادلة الدفاع عن الجنوب، باعتبارها إحدى أبرز الجبهات التي اصطدمت فيها الأطماع الحوثية بإرادة صلبة ومقاومة مستمرة. ومن هنا، فإن استهداف المعسكرات التدريبية لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثًا عسكريًا عابرًا، بل يأتي في سياق تصعيد يهدف إلى إرباك الجبهة الجنوبية، وإلحاق الخسائر بالقوات في مراحل إعدادها وتدريبها، وإثارة حالة من الخوف والضغط النفسي في أوساط المجندين والمجتمع.
ويرى مراقبون أن اللجوء إلى الضربات الصاروخية ضد مواقع التدريب والتجمعات العسكرية قد يعكس محاولة لفرض معادلة مختلفة عن المواجهة المباشرة، خصوصًا عندما تتعذر تحقيق أهداف ميدانية عبر الاشتباك التقليدي. فبدلًا من مواجهة القوات على خطوط التماس، تصبح الصواريخ وسيلة لإيقاع خسائر بشرية وإحداث صدمة في العمق العسكري، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة الحسابات التي تقف وراء هذه الهجمات ومدى قدرتها على تغيير الواقع الميداني.
لكن الدماء التي سالت في الضالع لن تتحول، في نظر الجنوبيين، إلى وسيلة لترهيبهم أو دفعهم إلى التراجع عن حقهم في حماية أرضهم. فالتجارب المتراكمة على امتداد سنوات المواجهة رسخت قناعة واسعة بأن أمن الجنوب واستقراره لا يمكن أن يتحققا إلا من خلال تعزيز الجاهزية العسكرية، وتطوير القدرات الدفاعية، وتوحيد الجهود الوطنية لمواجهة التهديدات التي تستهدف البلاد.
وتعيد هذه المجزرة إلى الواجهة أهمية حماية المعسكرات ومراكز التدريب، وضرورة مراجعة الإجراءات الأمنية والدفاعية، وتعزيز منظومات الرصد والإنذار المبكر، بما يضمن تقليل المخاطر على العسكريين والمستجدين. كما تفرض الحادثة مسؤولية مضاعفة على الجهات المعنية في التحقيق، وتحديد الملابسات، ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير، وضمان تقديم الرعاية اللازمة للجرحى وأسر الشهداء.
وفي المقابل، فإن استهداف الضالع يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية تجاه الهجمات التي تطال المنشآت العسكرية والتجمعات البشرية، ويؤكد ضرورة التعامل بجدية مع التهديدات المتصاعدة التي تواجه الجنوب، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة أو محاولات تجاهل معاناة أبنائه.
إن الضالع، التي ارتبط اسمها بالصمود والتضحيات، تقف اليوم أمام اختبار جديد، غير أن استهدافها لن يغير حقيقة أن إرادة الشعوب لا تُكسر بالصواريخ، وأن المجازر لا تصنع انتصارات مستدامة. فالقوة الحقيقية لا تقاس بحجم الدمار الذي تتركه الضربات، وإنما بقدرة المجتمع على الصمود، وحماية أبنائه، وتحويل الألم إلى موقف وطني مسؤول يعزز وحدة الصف ويحصّن الجبهة الداخلية.
وفي ظل هذا التصعيد، تبقى الرسالة الأهم أن الجنوب بحاجة إلى مزيد من التماسك واليقظة، وأن مواجهة التهديدات الحوثية لا تقتصر على الميدان العسكري وحده، بل تشمل تعزيز الأمن والاستقرار، وحماية المؤسسات، وتوحيد الخطاب الوطني، والوقوف إلى جانب أسر الشهداء والجرحى.
إن مجزرة الضالع، بما تحمله من وجع وخسائر، تؤكد أن طريق السلام لا يمكن أن يُبنى على استهداف المجندين أو ترويع المجتمعات، وأن أي تسوية سياسية لا تضع حماية الإنسان وأمن الجنوب في صدارة أولوياتها ستظل بعيدة عن معالجة جذور الصراع. وبين الصواريخ التي تستهدف المعسكرات وإرادة شعب يتمسك بأرضه وحقوقه، يبقى الرهان على الوعي والوحدة والقدرة على حماية الجنوب من كل أشكال التهديد والتصعيد.
فالدماء التي سقطت في الضالع ليست مجرد أرقام في حصيلة الحرب، بل جرس إنذار يستدعي موقفًا وطنيًا موحدًا، ويؤكد أن حماية الجنوب وأبنائه مسؤولية لا تحتمل التهاون.