لماذا تتكرر استهدافات المعسكرات الجنوبية بينما تبقى معسكرات مأرب خارج دائرة النيران؟ تساؤلات تكشف عمق الصراع وحسابات الاستهداف

تقارير - 10 hours ago

عدن ، عين الجنوب|| خاص        

لم تعد الهجمات التي تستهدف المعسكرات والمراكز التدريبية في الجنوب العربي مجرد أحداث عسكرية عابرة يمكن التعامل معها بمعزل عن السياق السياسي والأمني الذي تشهده المنطقة، بل باتت تثير تساؤلات عميقة حول طبيعة الاستهدافات، والجهات التي تقف وراءها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، خصوصًا في ظل تكرار الهجمات التي تطال القوات الجنوبية والمواقع التي تضم المستجدين، في مقابل التساؤلات المتصاعدة بشأن أسباب عدم تعرض معسكرات مأرب، التي تشهد حضورًا عسكريًا كبيرًا، لهجمات مماثلة بالوتيرة ذاتها.
وفي أعقاب الهجوم الصاروخي الذي استهدف معسكر العللة شمالي محافظة الضالع، وأسفر بحسب المعلومات المتداولة عن سقوط شهداء وجرحى من المستجدين، عادت القضية الجنوبية إلى واجهة النقاش السياسي والعسكري، وسط حالة من الغضب الشعبي تجاه ما يُنظر إليه باعتباره استهدافًا متكررًا للقوات الجنوبية، ومحاولة لإضعاف قدرتها على حماية الأرض وتأمين المناطق التي تخضع لمسؤوليتها الأمنية والعسكرية.
إن السؤال الذي يتردد اليوم في الشارع الجنوبي ليس مجرد سؤال عن طبيعة الصاروخ المستخدم أو الجهة التي أطلقته، بل يتجاوز ذلك إلى البحث في خلفيات الاستهداف، وما إذا كانت هناك حسابات سياسية وعسكرية تتقاطع عند نقطة إضعاف الجنوب، وإبقائه في دائرة الاستنزاف المستمر، في وقت تتعاظم فيه التحديات الأمنية وتتشابك فيه المصالح الإقليمية والمحلية.
لماذا الجنوب في دائرة الاستهداف؟
يرى كثير من الجنوبيين أن تكرار الهجمات على المعسكرات الجنوبية يفرض ضرورة قراءة المشهد بصورة أوسع، بعيدًا عن الاكتفاء بالتفسيرات العسكرية المباشرة. فالجنوب، بما يمتلكه من موقع جغرافي استراتيجي وثروات طبيعية ومنافذ بحرية مهمة، يمثل طرفًا رئيسيًا في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي، كما أن تطلعات شعبه السياسية المرتبطة باستعادة دولته أصبحت عنصرًا حاضرًا في مختلف النقاشات المتعلقة بمستقبل المنطقة.
ومن هذا المنطلق، تتصاعد مخاوف من أن تكون بعض الهجمات جزءًا من استراتيجية استنزاف تستهدف القوات الجنوبية، سواء من خلال إلحاق الخسائر البشرية بها، أو إرباك منظومتها العسكرية، أو التأثير على معنويات المجندين والمقاتلين، أو خلق حالة من عدم الاستقرار الأمني في المناطق الجنوبية.
غير أن هذه المخاوف، على أهميتها السياسية، تظل بحاجة إلى أدلة وتحقيقات موثوقة تكشف حقيقة الجهات المسؤولة عن كل هجوم، وتحدد طبيعة الأهداف العسكرية التي تقف وراءه، بعيدًا عن إطلاق الاتهامات العامة أو تحميل جماعات ومكونات سياسية مسؤولية أعمال لم تثبت صلتها بها.
معسكرات مأرب.. لماذا تختلف الحسابات؟
في المقابل، يطرح الجنوبيون تساؤلات مشروعة حول الفارق بين استهداف المعسكرات الجنوبية والهجمات التي تطال المواقع العسكرية في مناطق أخرى، وعلى رأسها مأرب. فالمحافظة تمثل مركزًا عسكريًا وسياسيًا مهمًا، وتضم تشكيلات عسكرية ومواقع استراتيجية، الأمر الذي يجعل المقارنة بين طبيعة الاستهدافات وحجمها وتوقيتها موضوعًا يستحق الدراسة والتحليل.
لكن الإجابة عن سؤال لماذا تتعرض بعض المعسكرات للهجمات دون غيرها لا يمكن أن تقوم على افتراض وجود حماية سياسية أو تفاهمات خفية دون أدلة. فاختلاف طبيعة الجبهات، والقدرات العسكرية، والمعلومات الاستخباراتية، ومواقع الانتشار، والأهداف العملياتية، كلها عوامل قد تؤثر في اختيار الأهداف وتوقيت الهجمات.
ومع ذلك، فإن استمرار هذا التفاوت، إذا أثبتته البيانات الميدانية والإحصاءات العسكرية، يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الأولويات العسكرية، ومدى وجود تنسيق بين القوى المناهضة للحوثيين، وما إذا كانت هناك اختلالات في توزيع الدعم والإمكانات الدفاعية بين مختلف الجبهات.
فليس من المقبول أن تتحول دماء المقاتلين الجنوبيين إلى مجرد أرقام في سجلات الحرب، أو أن يتم التعامل مع الخسائر التي تتعرض لها المعسكرات الجنوبية باعتبارها أحداثًا هامشية لا تستحق مراجعة شاملة للواقع العسكري والأمني.
الحوثيون واستراتيجية ضرب التجمعات العسكرية
تُعد الهجمات الصاروخية التي تستهدف التجمعات العسكرية ومراكز التدريب من أخطر أشكال العمليات التي يمكن أن تتعرض لها القوات في أثناء مراحل الإعداد والتأهيل، إذ قد تؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة، وتترك آثارًا نفسية ومعنوية على المجندين وأسرهم، فضلًا عن تأثيرها في برامج التدريب والاستعداد العسكري.
وفي حالة الهجوم على معسكر العللة، فإن حجم الخسائر البشرية المتداولة يفرض ضرورة إجراء تحقيق عسكري وأمني شامل، يكشف كيفية وصول الصاروخ إلى الموقع، ومدى توافر منظومات الإنذار المبكر، وطبيعة الإجراءات الاحترازية المتخذة لحماية المستجدين، وما إذا كانت هناك ثغرات أمنية أو استخباراتية ساهمت في وقوع الهجوم.
كما أن تكرار استهداف المواقع العسكرية الجنوبية، إن ثبت وفق بيانات موثقة، يستدعي تطوير منظومة الحماية الدفاعية، وتعزيز قدرات الرصد والاستطلاع، وتحسين إجراءات تأمين المعسكرات، بما يضمن تقليل الخسائر البشرية ويحافظ على حياة المجندين الذين يمثلون العنصر الأساسي في أي قوة عسكرية.
إن مواجهة الهجمات لا تقتصر على الرد العسكري، بل تبدأ من حماية الأرواح، وتوفير المعلومات الدقيقة، ومنع تكرار الأخطاء، ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير يثبت وقوعه.
هل هناك استهداف سياسي للقوات الجنوبية؟
في ظل التوترات السياسية المتصاعدة حول مستقبل الجنوب، يذهب بعض المراقبين والناشطين إلى أن استهداف القوات الجنوبية قد يتجاوز الأبعاد العسكرية، ليحمل في بعض الحالات رسائل سياسية تتعلق بموازين القوة والنفوذ، وبمستقبل القضية الجنوبية وموقعها في أي تسوية سياسية قادمة.
ويستند هذا الطرح إلى أن القوات الجنوبية أصبحت لاعبًا مؤثرًا في المشهد الأمني، وأن أي إضعاف لها قد ينعكس على قدرة الجنوب في حماية مناطقه ومصالحه، ويؤثر في موقعه التفاوضي والسياسي.
لكن إثبات وجود ارتباط مباشر بين الهجمات العسكرية وأهداف سياسية معينة يتطلب معلومات موثوقة، وليس مجرد استنتاجات قائمة على التوقيت أو طبيعة الضحايا. فالموقف المسؤول يقتضي التمييز بين التحليل السياسي وبين الحقائق التي تثبتها التحقيقات والبيانات الرسمية.
ومع ذلك، فإن من حق الجنوبيين المطالبة بتوضيحات شفافة حول أسباب تكرار استهداف معسكراتهم، وبضرورة التعامل مع أمن الجنوب باعتباره جزءًا أساسيًا من أمن المنطقة، لا ملفًا ثانويًا يمكن تأجيله أو تجاهله.
الجنوب بين الحرب والاستنزاف وحقه في الأمن
إن القضية الجنوبية لا يمكن فصلها عن الواقع الأمني والعسكري الذي تعيشه مناطق الجنوب، فاستمرار التهديدات والهجمات يضع المجتمعات المحلية أمام تحديات متزايدة، ويؤثر في حياة المواطنين، وفي قدرة المؤسسات العسكرية والأمنية على أداء مهامها.
وفي الوقت الذي يطالب فيه الجنوبيون بحماية معسكراتهم ومواقعهم العسكرية، تتعاظم الدعوات إلى تعزيز التنسيق الأمني والعسكري، وتوحيد الجهود في مواجهة التهديدات الحوثية، ومعالجة الاختلالات التي قد تترك بعض المواقع عرضة للهجمات.
كما أن أي حديث عن مستقبل سياسي مستقر لا يمكن أن يتجاهل ضرورة حماية القوات التي تتحمل مسؤوليات ميدانية في مواجهة التهديدات، أو أن يتعامل مع الخسائر البشرية باعتبارها تكلفة عادية من تكاليف الصراع.
فالاستقرار لا يتحقق بالشعارات، ولا يمكن بناء مستقبل سياسي على جراح مفتوحة ودماء تتساقط دون تحقيق ومحاسبة، وإنما يتطلب رؤية واضحة للأمن، وإرادة حقيقية لمعالجة أسباب الاستهداف، وضمان عدم تكرار المآسي التي يدفع ثمنها الجنود وأسرهم والمجتمع بأكمله.
خلاصة المشهد: أسئلة الجنوب تبحث عن إجابات
إن السؤال المتعلق بأسباب استهداف المعسكرات الجنوبية وعدم تعرض معسكرات مأرب لهجمات مماثلة يظل سؤالًا سياسيًا وعسكريًا مشروعًا، لكنه يحتاج إلى إجابات تستند إلى الوقائع، وإلى مقارنة دقيقة بين طبيعة الهجمات وتوقيتها وأهدافها والظروف المحيطة بها.
أما ما لا يمكن تجاهله، فهو أن سقوط الشهداء والجرحى في المعسكرات الجنوبية يفرض مسؤولية وطنية وأخلاقية على مختلف الجهات المعنية، تبدأ بكشف ملابسات الهجمات، ولا تنتهي عند تعزيز حماية القوات الجنوبية وتأمين مواقعها العسكرية.
وفي نهاية المطاف، فإن الجنوب لا يطالب بأكثر من حقه في الأمن والاستقرار، وحماية أبنائه من الهجمات التي تستهدف حياتهم ومستقبلهم. كما أن مواجهة التهديدات لا ينبغي أن تتحول إلى صراع بين أبناء المناطق المختلفة، أو إلى اتهامات جماعية تتجاوز المسؤولية الفردية، بل يجب أن تكون مواجهة واضحة للجهات التي تثبت مسؤوليتها عن الاعتداءات، مع الحفاظ على وحدة الصف في مواجهة الأخطار الحقيقية.
فالدم الجنوبي ليس رقمًا عابرًا في معادلات الحرب، وأمن الجنوب ليس قضية قابلة للتجاهل أو المساومة، ومن حق شعبه أن يسأل: لماذا تتكرر هذه الهجمات؟ ومن المسؤول عن حماية المعسكرات؟ وأين تكمن الثغرات التي تسمح بوصول الصواريخ إلى مواقع تضم المستجدين؟
أسئلة ستظل مفتوحة حتى تكشف التحقيقات والوقائع حقيقة ما يجري، وحتى تصبح حماية الإنسان والجندي أولوية تتقدم على الحسابات السياسية والعسكرية الضيقة.