قراءة تحليلية ماذا يعني غياب المجلس الانتقالي عن معادلة الجنوب؟

دراسات وتحليلات - منذ 1 يوم

عين الجنوب || خاص:
في لحظات التحوّل الكبرى لا تُقاس الأحداث بنتائجها المباشرة فقط، بل بما تفتحه من أبواب على المجهول. ومن هذا المنطلق يثار سؤال مقلق في الشارع الجنوبي: ماذا لو – لا قدّر الله – سقط المجلس الانتقالي الجنوبي، وتُرك الجنوب بلا مظلته السياسية والعسكرية؟
هذا السؤال لا يُطرح من باب التهويل، بل من باب قراءة الوقائع والتجارب القريبة، حيث علّم التاريخ الجنوبي أبناءه أن الفراغ لا يبقى فراغًا، بل يُملأ سريعًا بالقوة، وغالبًا بالقوة المعادية.
أي انهيار للمجلس الانتقالي لن يكون حدثًا سياسيًا معزولًا، بل شرارة تشعل صراعًا داخليًا واسعًا داخل الجنوب نفسه. صراع لا يمكن التنبؤ بمدته ولا بحجمه، في وقت أنهكته الحروب والاستنزاف، ولم يعد يحتمل جولة جديدة من الدم والانقسام.
ومع غياب الطرف الجنوبي الأقوى والمنظم، ستُعاد هندسة المشهد السياسي عبر حكومة “توافقية” جديدة ورؤوس تنفيذية شكلية. لكن ميزان القوة على الأرض لن يكون متوازنًا؛ فالكلمة العليا ستكون لمن يمتلك السلاح والنفوذ، وفي مقدمتهم الحوثيون، بعد تخلّصهم من الندّ الجنوبي الذي شكّل عائقًا حقيقيًا أمام تمددهم. وقد تُمنح بعض المناصب لوجوه جنوبية، لكنها ستكون واجهات بلا قرار، أدوات لا أكثر.
الأخطر من ذلك أن الجنوب سيدخل مرحلة انتقام مفتوح. فثارات الحرب لم تُطوَ، وملفات الدم لا تزال حاضرة في ذاكرة القوى اليمنية المختلفة. الحوثي، والإصلاحي، والمؤتمري، جميعهم يحملون حساباتهم المؤجلة، ومع سقوط المجلس الانتقالي ستُفتح هذه الملفات دفعة واحدة، ليكون المواطن الجنوبي هو الضحية الأولى.
في هذا السيناريو القاتم، لن ينجو أحد. لا المخلص ولا الخائن. فالخضوع سيُفرض كأمر واقع، وسيتحوّل الانكسار إلى سياسة عامة، يُطلب فيها من الجنوبي التنازل عن كرامته قبل حقوقه. وستُعاد صياغة المكانة الاجتماعية والسياسية للجنوبي، ليجد نفسه في أدنى درجات المواطنة، مهمّشًا في أرضه، مهددًا في هويته، مستهدفًا في عقيدته وثقافته.
ما يجري اليوم من أزمات خدمات وضغط معيشي ليس معزولًا عن هذا السياق. فـ“حرب الخدمات” باتت أداة حديثة لإشعال الشارع، ودفعه للاصطدام مع المجلس الانتقالي، تمهيدًا لإضعافه أو إسقاطه من الداخل، دون الحاجة إلى معركة عسكرية مباشرة. وهي لعبة تُدار بأيدٍ إقليمية ودولية، وبأدوات محلية فقدت بوصلتها أو باعت موقفها.
أمام هذا المشهد، تصبح وحدة الصف الجنوبي ضرورة وجودية لا خيارًا سياسيًا. فالعودة إلى الوراء ليست حيادًا، بل هلاكًا مؤجلًا. وتحمل قسوة الواقع اليوم، مهما كانت موجعة، أهون بكثير من القبول بقيود العبودية السياسية والاجتماعية غدًا.
إنها لحظة وعي، إما أن يُدرك فيها الجنوبيون خطورة ما يُحاك لهم، فيكونون يدًا واحدة، أو يتركون التاريخ يعيد نفسه بصورة أشد قسوة.
فالجنوب، كما كان، لن يُحفظ إلا بإرادة أبنائه، ووحدتهم، وتمسكهم بحقهم في الكرامة والحرية.

فيديو