حضرموت تواجه الاحتلال اليمني: أرض تُقمع وإرادة تُصادر

تقارير - منذ 9 ساعات

عين الجنوب|| خاص:
في حضرموت لم يعد المشهد يحتمل عبارات التخفيف ولا لغة المواربة. فالمحافظة التي عُرفت بتاريخها الضارب في عمق الحضارة، وباعتدال مجتمعها وتماسك نسيجها الاجتماعي، تجد نفسها اليوم في مواجهة مباشرة مع ما يصفه كثير من أبنائها بـ«الاحتلال اليمني» وممارساته التي تتجاوز – وفق روايتهم – حدود الإدارة إلى مصادرة الإرادة.
من شوارع المكلا إلى وديان الداخل، يتحدث ناشطون ووجهاء قبائل وشخصيات اجتماعية عن واقع يقولون إنه قائم على فرض القرار من خارج الإرادة المحلية، وتكريس معادلة أمنية تجعل من الصوت الحضرمي موضع اشتباه دائم. الاعتقالات التي طالت ناشطين، ومنع فعاليات احتجاجية سلمية، واستدعاءات متكررة لرموز مجتمعية، كلها تُقدَّم – بحسب شهادات متطابقة – بوصفها أدوات ضغط لكبح أي حراك يطالب بإدارة ذاتية أوسع أو بإعادة توزيع عادل للثروة والسلطة.
ويرى هؤلاء أن الاحتلال اليمني لا يكتفي بالقبضة الأمنية، بل يمضي إلى ما هو أبعد، عبر التحكم في مفاصل القرار الإداري والمالي، وإبقاء الموارد الحيوية تحت سلطة مركزية لا تعكس – في نظرهم – خصوصية حضرموت ولا تطلعات أبنائها. ويؤكد ناشطون أن الثروة النفطية والموقع الاستراتيجي للمحافظة تحولا إلى عنصر جذب للهيمنة، بدلاً من أن يكونا رافعة لتنمية حقيقية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
في المقابل، تبرر الجهات التابعة للاحتلال اليمني إجراءاتها بأنها ضرورية لحفظ الأمن ومنع الفوضى، مشيرة إلى هشاشة الوضع العام وتعدد القوى المؤثرة على الأرض. غير أن هذا التبرير، كما يقول معارضوه، لا يمكن أن يكون غطاءً دائماً لإغلاق المجال العام أو لتقييد حرية التعبير السلمي التي يفترض أن تكون حقاً أصيلاً لا يُنتزع.
الاحتقان في الشارع الحضرمي يتصاعد على إيقاع شعور متنامٍ بأن المحافظة تُدار بعقلية السيطرة لا الشراكة. فالمطالب التي يرفعها المحتجون – من تمكين الكوادر المحلية، إلى شفافية في إدارة الموارد، إلى احترام حق التظاهر – تُقابل، وفق روايتهم، بإجراءات أمنية تزيد الهوة اتساعاً. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: حين يتحول الإحساس بالتهميش إلى قناعة راسخة بأن الإرادة المحلية لا وزن لها في معادلة القرار.
ورغم حدة المشهد، يؤكد كثير من أبناء حضرموت أن خيارهم ما زال سلمياً، وأنهم لا يسعون إلى الفوضى بل إلى استعادة القرار المحلي بوسائل مدنية وقانونية. لكنهم يحذرون من أن استمرار ممارسات الاحتلال اليمني على النحو القائم سيغذي مزيداً من الاستقطاب، ويضع المحافظة أمام مفترق طرق صعب.
إن حضرموت اليوم ليست مجرد مساحة جغرافية ضمن خريطة صراع أوسع، بل عنواناً لمعركة تتعلق بالكرامة وحق المجتمعات في إدارة شؤونها. وبين القبضة الأمنية وصوت الشارع، يتشكل واقع جديد لا يمكن احتواؤه بالشعارات أو البيانات الرسمية. فالإرادة حين تُضغط طويلاً لا تختفي، بل تتراكم، وتبحث عن منفذ.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل تُراجع سياسات الاحتلال اليمني قبل أن تصل الأمور إلى نقطة اللاعودة، أم يستمر النهج ذاته بما يحمله من مخاطر على السلم الاجتماعي؟ في حضرموت، الإجابة لا تُنتظر من الخارج، بل تُكتب يومياً في وجوه الناس الذين يصرّون على أن الأرض التي أنجبت حضارة عريقة قادرة أيضاً على الدفاع عن حقها في الحرية والكرامة.

فيديو