تحليل :الشرق الجنوبي… حين تتكئ الجغرافيا على ذاكرة الإنتماء

تقارير - منذ ساعتان

عين الجنوب|| خاص:
في لحظات التحولات الكبرى، لا تعود الجغرافيا مجرد خرائط مرسومة، بل تتحول إلى ذاكرة حيّة تنبض بالانتماء وتستدعي التاريخ ليحسم ملامح المستقبل. هكذا يبدو الشرق الجنوبي اليوم، حيث تتداخل الحكاية بين الأرض والإنسان، وبين الامتداد الطبيعي والهوية التي لم تنفصل يومًا عن جذورها. لم يكن هذا الشرق يومًا هامشًا في معادلة الجنوب، بل ظل عمقه الاستراتيجي، وامتداده البشري، وخزان قيمه التي صمدت في وجه التبدلات.
في شبوة، تتجسد الحكاية كقصة صمود طويلة، حيث الأرض التي عرفت النفط والثروات، عرفت أيضًا كيف تحمي ذاتها من محاولات الاستلاب. لم تكن شبوة مجرد موقع جغرافي، بل كانت دائمًا نقطة ارتكاز، تتقدم حين يتراجع الآخرون، وتثبت حين تتهاوى الحسابات. هناك، يتحدث الناس بلغة الأرض، ويقيسون المواقف بميزان الانتماء، لا بالمصالح العابرة.
أما حضرموت، فهي ليست فقط أكبر المحافظات مساحة، بل أوسعها أثرًا في تشكيل الوعي الجنوبي. من وديانها خرجت قوافل العلم والتجارة، ومنها انتشرت القيم التي صارت علامة فارقة في الشخصية الحضرمية: الصدق، والانضباط، والوفاء. هذا الإرث لم يكن مجرد ماضٍ يُروى، بل هو حاضر يُمارس، ويُستدعى كلما اشتدت التحديات. في حضرموت، لا يُفصل بين الأرض والهوية، ولا بين التاريخ والموقف.
وفي المهرة، تتخذ الحكاية بُعدًا آخر، حيث الصفاء الاجتماعي والخصوصية الثقافية التي حافظت على توازنها رغم كل العواصف. المهرة، التي ظلت بعيدة عن صخب الصراعات في كثير من الأحيان، كانت دائمًا حاضنة هادئة، لكنها عميقة التأثير، تُسهم في تثبيت المعادلة الجنوبية من حيث لا تُرى الضوضاء. هناك، يُقاس الانتماء بالهدوء لا بالصخب، وبالثبات لا بالانفعال.
هذه المحافظات الثلاث لا تشكل فقط شرق الجنوب جغرافيًا، بل تمثل عمقه الحقيقي، الحاضن لانتصاراته، والحارس لهويته. لم تكن يومًا كيانات منفصلة، بل أجزاء من نسيج واحد، تتكامل أدوارها وتتشابك مصائرها. وكلما حاولت بعض القوى إعادة رسم المشهد بعيدًا عن هذا الترابط، كانت الوقائع على الأرض تعيد التأكيد أن الشرق الجنوبي لا يمكن أن يكون إلا في حضنه الطبيعي.
التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها السنوات الأخيرة أعادت طرح الأسئلة القديمة بصيغة جديدة: من يملك الأرض؟ ومن يحدد اتجاهها؟ لكن الإجابة، في الشرق الجنوبي تحديدًا، لم تكن معقدة. فالناس هناك، رغم اختلافاتهم، يجتمعون على قاسم مشترك واضح: أن هذه الأرض جزء من الجنوب، وأن مستقبلها لا يُكتب خارج هذا الإطار.
ومع كل محاولة لفرض واقع مغاير، كانت الذاكرة الجمعية تعود لتذكّر الجميع بأن شبوة وحضرموت والمهرة لم تكن يومًا إلا عمق الجنوب، وحصنه، وامتداده الطبيعي. وأن أي قراءة تتجاهل هذا الترابط، إنما تتجاهل حقائق راسخة لا يمكن القفز عليها.
في النهاية، لا يبدو الشرق الجنوبي مجرد مساحة جغرافية بقدر ما هو معادلة متكاملة، توازن بين التاريخ والواقع، وبين الطموح والهوية. هو المكان الذي لا يحتاج إلى تعريف جديد، لأنه يعرف نفسه جيدًا، ويعرف أين يقف، وإلى أين ينتمي. وبين كل الضجيج، يبقى صوته الأكثر وضوحًا: أن الحضن الجنوبي ليس خيارًا، بل قدرٌ تشكّل عبر الزمن، وتكرّس بالوعي، وتُحرسه الأرض قبل الإنسان.

فيديو