الجنوب بين فكّي الأزمات… حرب الإفقار تعانق الإرهاب والمخدرات

تقارير - منذ 4 ساعات

عين الجنوب|| خاص                

يعيش الجنوب مرحلة بالغة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية مع التحديات الأمنية والاجتماعية، في مشهد يبدو وكأنه حرب متعددة الوجوه تستهدف الإنسان والأرض والهوية والاستقرار في آنٍ واحد. فبين الانهيار المعيشي المتسارع، وتصاعد العمليات الإرهابية، وانتشار المخدرات بصورة مقلقة، يجد المواطن نفسه محاصرًا بسلسلة من الضغوط التي أثقلت كاهله وأدخلت المجتمع في حالة استنزاف مستمر.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه أسعار المواد الأساسية بشكل غير مسبوق، تتراجع القدرة الشرائية للمواطنين بصورة حادة، وسط انهيار الخدمات الأساسية، خصوصًا الكهرباءن والمياه، ما يجعل الحياة اليومية أكثر قسوة مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة. هذه الأوضاع دفعت بحالة الاحتقان الشعبي إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل شعور متزايد بالعجز والخوف من مستقبل يزداد غموضًا.
لكن الأزمة لم تتوقف عند حدود الاقتصاد والخدمات، بل امتدت إلى الجانب الأمني، مع عودة لافتة للعمليات الإرهابية التي استهدفت عددًا من المناطق، من أبين وحتى عدن، عبر سلسلة من الاغتيالات وعمليات الاختطاف التي طالت شخصيات مدنية وعسكرية، في مؤشر خطير على محاولات إعادة إنتاج الفوضى وضرب حالة الاستقرار الهش.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات لا يمكن فصلها عن محاولات خلط الأوراق وإغراق الجنوب في دوامة من الأزمات المتزامنة، بحيث يصبح المواطن منشغلًا بلقمة العيش والخوف الأمني بدلًا من أي مشروع للاستقرار أو البناء. فالإرهاب لا يتحرك بمعزل عن الأوضاع الاقتصادية، بل يجد في الفقر والبطالة والتدهور بيئة خصبة للتمدد واستقطاب الضحايا.
وفي موازاة ذلك، برزت المخدرات كخطر آخر لا يقل فتكًا عن الإرهاب، إذ تشهد بعض المناطق انتشارًا متزايدًا لهذه الآفة التي تستهدف فئة الشباب بصورة مباشرة، في محاولة لتفكيك المجتمع وضرب طاقته البشرية. ويؤكد مهتمون بالشأن الاجتماعي أن المخدرات أصبحت جزءًا من حرب ناعمة تستهدف إنهاك المجتمع من الداخل، بعدما تحولت إلى تجارة عابرة للأزمات تستفيد من ضعف الرقابة والاضطرابات القائمة.
كما تتزايد المخاوف من عودة النزاعات المجتمعية والثارات القبلية، في ظل محاولات لإحياء صراعات قديمة وإشغال المجتمع بمعارك داخلية تستنزف تماسكه وتضرب نسيجه الاجتماعي. ويرى كثيرون أن أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس فقط السلاح أو الإرهاب، بل تفكيك الروابط الاجتماعية وإشاعة الفوضى وفقدان الثقة بين الناس.
وفي قلب كل هذه الأزمات، يبرز الفساد كعامل أساسي يضاعف المعاناة، إذ أدى إلى استنزاف الموارد وتعطيل مؤسسات الدولة وإضعاف الخدمات، حتى بات المواطن يشعر بأنه يواجه “موتًا بطيئًا” تتآكل فيه مقومات الحياة يومًا بعد آخر. فغياب المعالجات الحقيقية واستمرار الفساد الإداري والمالي جعلا أي تحسن اقتصادي أو خدمي يبدو بعيد المنال.
ويرى محللون أن مواجهة هذا الواقع تتطلب أكثر من الحلول الأمنية التقليدية، بل تحتاج إلى مشروع متكامل يعيد بناء الثقة بالمؤسسات، ويحارب الفساد، ويعزز التنمية، ويرفع مستوى الوعي المجتمعي بخطورة الإرهاب والمخدرات والصراعات الداخلية. فالمعركة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة وعي وصمود وحماية للنسيج الاجتماعي.
وبين جحيم الإفقار ونيران الإرهاب وسموم المخدرات، يقف الجنوب أمام اختبار مصيري، عنوانه: هل ينجح المجتمع في حماية نفسه واستعادة توازنه، أم تستمر دوامة الأزمات في ابتلاع ما تبقى من الاستقرار؟

فيديو