كهرباء عدن.. تعذيب ممنهج تحت لهيب الصيف يدفع السكان إلى النزوح ويهدد الأرواح

تقارير - منذ 3 ساعات

عدن.عين الجنوب ||خاص        

بين انقطاع الكهرباء وارتفاع الحرارة.. عدن تواجه كارثة إنسانية صامتة
لم تعد أزمة الكهرباء في العاصمة عدن مجرد مشكلة خدمية عابرة أو خلل فني يمكن احتماله لبعض الوقت، بل تحولت إلى معاناة يومية قاسية يصفها المواطنون بأنها شكل من أشكال التعذيب الممنهج الذي يطال ملايين السكان في ظل ارتفاع غير مسبوق لدرجات الحرارة والرطوبة الخانقة التي تشتهر بها المدينة الساحلية.
فمع كل صيف جديد تتجدد المأساة بصورة أكثر قسوة، حيث تتسع ساعات الانطفاء إلى مستويات غير مسبوقة، بينما تتراجع ساعات التشغيل إلى الحد الأدنى، تاركة المواطنين في مواجهة مباشرة مع حرارة لاهبة لا ترحم، داخل منازل تحولت إلى أفران مغلقة لا تصلح للعيش الآدمي.
* ضحايا بلا أرقام رسمية
خلال الأشهر الأخيرة تزايدت الأنباء عن حالات وفاة مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء، خصوصاً بين كبار السن ومرضى القلب والسكري والضغط والأطفال حديثي الولادة. ومع غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة، تبقى المأساة أكبر مما تعكسه الأرقام المتداولة.
الأطباء يحذرون من أن استمرار الانقطاع لساعات طويلة يضاعف المخاطر الصحية، خاصة مع عدم قدرة المستشفيات والمراكز الصحية على توفير بيئة مناسبة للمرضى في ظل الضغط المتزايد على المولدات وشح الوقود.
* نزوح داخلي هرباً من الجحيم
ولعل المشهد الأكثر تعبيراً عن حجم الأزمة يتمثل في اضطرار آلاف الأسر إلى مغادرة عدن مؤقتاً خلال فصل الصيف والتوجه نحو المناطق الريفية والجبلية الأقل حرارة. فقد أصبحت رحلة البحث عن نسمة هواء باردة أو ساعات نوم هادئة حلماً لكثير من العائلات التي لم تعد تحتمل البقاء في المدينة وسط الانقطاعات المتكررة.
هذا النزوح الموسمي الذي كان في السابق يقتصر على عدد محدود من الأسر أصبح ظاهرة متنامية تعكس حجم التدهور الذي وصلت إليه الأوضاع الخدمية، ويؤكد أن المواطنين باتوا يبحثون عن الحد الأدنى من مقومات الحياة خارج مدينتهم.
* معاناة اقتصادية مضاعفة
لا تتوقف آثار أزمة الكهرباء عند الجانب الإنساني والصحي فحسب، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي والمعيشي. فالتجار وأصحاب المحال التجارية والورش والمطاعم يتكبدون خسائر يومية كبيرة نتيجة توقف الأعمال وتلف المواد الغذائية وارتفاع تكاليف التشغيل.
كما يضطر المواطنون إلى إنفاق مبالغ إضافية على شراء الثلج والمياه الباردة وتشغيل المولدات الخاصة أو البحث عن بدائل مكلفة في وقت تعاني فيه غالبية الأسر من أوضاع اقتصادية صعبة وانخفاض القدرة الشرائية.
* أسئلة تبحث عن إجابات
وسط هذه المعاناة المستمرة يطرح الشارع العدني أسئلة مشروعة حول أسباب عجز الجهات المعنية عن إيجاد حلول جذرية لهذه الأزمة المزمنة، رغم مرور سنوات طويلة على تكرارها بالسيناريو ذاته.
ويتساءل المواطنون عن مصير الوعود المتكررة والمشاريع المعلنة والخطط الإسعافية التي يتم الحديث عنها مع كل صيف، بينما تبقى النتيجة واحدة تتمثل في استمرار الانطفاءات وتفاقم معاناة الناس.
* صيف الغضب
يرى مراقبون أن استمرار الوضع الحالي ينذر بمزيد من الاحتقان الشعبي، خصوصاً في ظل شعور المواطنين بأن معاناتهم لا تجد الاستجابة المطلوبة من الجهات المسؤولة. فالكهرباء لم تعد خدمة ترفيهية أو مطلباً ثانوياً، بل أصبحت ضرورة حياتية ترتبط بالصحة والأمن والاستقرار والكرامة الإنسانية.
إن ما تشهده عدن اليوم يتجاوز حدود أزمة كهرباء عادية، فهو اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على حماية المواطنين وتوفير أبسط حقوقهم الأساسية. وبين حرارة الصيف القاسية والانطفاءات الطويلة، يقف أبناء عدن في مواجهة معاناة يومية تستنزف طاقتهم وصبرهم، بينما يترقب الجميع حلولاً حقيقية تنهي سنوات من الألم وتعيد للمدينة حقها في الحياة الكريمة.

فيديو