التفاهم الأميركي الإيراني.. هل يتحول الحوثيون إلى آخر أوراق طهران أم إلى عبء على مشروعها الإقليمي

تقارير - منذ 1 يوم

عدن ،عين الجنوب||خاص       

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تبرز التفاهمات الأميركية الإيرانية بوصفها أحد أكثر الملفات تأثيراً على مستقبل الصراعات الإقليمية، خصوصاً في اليمن الذي ظل طوال السنوات الماضية ساحة رئيسية لتقاطع المصالح الدولية والإقليمية. وبينما تنشغل العواصم الكبرى بترتيب خرائط النفوذ الجديدة، تتجه الأنظار نحو الجماعة الحوثية باعتبارها آخر وأقوى أوراق النفوذ الإيراني في العالم العربي بعد التراجع الذي أصاب نفوذ طهران في ساحات أخرى.
لقد مثّلت الجماعة الحوثية خلال العقد الماضي نموذجاً متقدماً للمشروع الإيراني في المنطقة، إذ تمكنت من بناء قوة عسكرية وأمنية كبيرة، وفرضت سيطرتها على مساحات واسعة من الأراضي اليمنية، مستفيدة من سنوات الحرب والانقسامات الداخلية والتعقيدات الإقليمية. غير أن المتغيرات الأخيرة تطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت هذه الجماعة ستبقى أداة استراتيجية بيد طهران أم أنها ستتحول إلى ملف تفاوضي قابل للمساومة في إطار الصفقات الإقليمية والدولية المقبلة.
ورغم الحديث المتزايد عن إمكانية التوصل إلى تفاهمات طويلة الأمد بين واشنطن وطهران، فإن المؤشرات الحالية لا توحي بأن إيران مستعدة للتخلي بسهولة عن إحدى أهم ركائز نفوذها الخارجية. فالعقيدة السياسية الإيرانية لطالما اعتمدت على بناء شبكات نفوذ غير مباشرة عبر جماعات حليفة توفر لها أوراق ضغط منخفضة التكلفة وعالية الفاعلية. ومن هذا المنطلق تبدو الجماعة الحوثية بالنسبة لطهران استثماراً استراتيجياً يصعب التفريط به، خصوصاً بعد الضربات التي تلقاها حلفاؤها في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.
لكن في المقابل، فإن الواقع الميداني يشير إلى أن الحوثيين لم يعودوا مجرد جماعة مرتبطة بالدعم الإيراني، بل تحولوا إلى قوة تمتلك مصالحها الخاصة وحساباتها الداخلية. فقد نجحت الجماعة في بناء منظومة حكم وأجهزة أمنية وعسكرية واقتصادية تمنحها هامشاً من الاستقلالية يجعل قرارها السياسي أكثر تعقيداً من مجرد الاستجابة للتوجيهات الخارجية. ولهذا فإن أي تفاهم دولي يخص النفوذ الإيراني لن ينعكس تلقائياً على سلوك الجماعة ما لم يترافق مع ترتيبات سياسية وأمنية شاملة داخل اليمن.
وتبدو المخاوف اليمنية مشروعة في ظل احتمال أن تؤدي التفاهمات الدولية إلى تجميد الصراع بدلاً من حله. فالكثير من اليمنيين يخشون أن تتحول بلادهم إلى ساحة لإدارة الأزمات لا لإنهائها، وأن تفضي التفاهمات إلى تثبيت الأمر الواقع بدلاً من استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقسام. وتزداد هذه المخاوف مع غياب أي مؤشرات حقيقية على استعداد الجماعة الحوثية للتخلي عن سلاحها أو إنهاء سيطرتها العسكرية والأمنية على المناطق التي تديرها.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه بعض التحليلات عن إمكانية تحويل الجماعة إلى كيان سياسي منخرط في العملية الديمقراطية، يرى مراقبون أن التجارب الإقليمية السابقة أثبتت أن دمج الجماعات المسلحة في العمل السياسي دون معالجة ملف السلاح يخلق أزمات أكثر تعقيداً ويؤسس لصراعات طويلة الأمد. ولذلك فإن أي تسوية لا تتضمن معالجة جذرية لمسألة احتكار الدولة للسلاح ستظل عرضة للانهيار في أي لحظة.
كما أن البحر الأحمر وباب المندب يظلان عاملين حاسمين في حسابات القوى الدولية. فالممرات البحرية الحيوية لم تعد شأناً يمنياً داخلياً، بل أصبحت جزءاً من الأمن الاقتصادي العالمي. ولهذا فإن أي تفاهم أميركي إيراني سيتعين عليه التعامل مع ملف الهجمات التي تهدد الملاحة الدولية، سواء عبر تقليص القدرات العسكرية للحوثيين أو فرض قيود على نشاطهم في هذه المنطقة الحساسة.
ومع استمرار الغموض الذي يكتنف تفاصيل التفاهمات بين واشنطن وطهران، تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة. فقد تتجه الأمور نحو تقليص تدريجي لنفوذ الجماعة مقابل ضمانات سياسية واقتصادية لإيران، أو نحو إعادة صياغة دور الحوثيين كقوة سياسية محلية ضمن تسوية شاملة، أو ربما تستمر حالة المراوحة الحالية التي تبقي اليمن عالقاً بين الحرب والسلام.
وفي جميع الأحوال، فإن مستقبل الجماعة الحوثية لن يتحدد فقط في غرف التفاوض الدولية، بل سيتأثر أيضاً بقدرة اليمنيين على بناء مشروع وطني جامع يعيد للدولة حضورها وهيبتها. فالتفاهمات الخارجية قد تعيد رسم حدود النفوذ، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة السلام ما لم تتوافر إرادة داخلية حقيقية لإنهاء الصراع واستعادة مؤسسات الدولة.
وبين رهانات طهران وحسابات واشنطن وتطلعات اليمنيين، يقف الملف الحوثي اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث قد تحدد نتائج التفاهمات الجارية شكل اليمن ومستقبل المنطقة لسنوات طويلة قادمة، في معركة سياسية تبدو أكثر تعقيداً من أي مواجهة عسكرية شهدتها المنطقة خلال العقد الأخير.

فيديو