مليون دولار للخارج.. والشعب يواجه الجوع والعتمة

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن| عين الجنوب|| خاص.   
في بلد يئن تحت وطأة الانهيار الاقتصادي وتآكل الخدمات الأساسية، تعود قضية الإنفاق العام لتتصدر واجهة الجدل من جديد، ولكن هذه المرة من بوابة وثيقة صادمة تكشف استمرار صرف مخصصات وإعاشات بملايين الدولارات شهرياً لمسؤولين ومقيمين خارج البلاد، في وقت يعيش فيه المواطن داخل الوطن واحدة من أقسى المراحل المعيشية في تاريخه الحديث.

فبينما تتسع رقعة الفقر، وتتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة، وتتعثر الحكومة في الوفاء بأبسط التزاماتها تجاه الموظفين والخدمات، تكشف الأرقام أن ملايين الدولارات لا تزال تتدفق شهرياً إلى خارج البلاد تحت بند المرتبات والإعاشات، في مشهد يختزل حجم الخلل في ترتيب الأولويات ويعكس انفصالاً مقلقاً بين السلطة ومعاناة الناس.

الوثيقة المتداولة، والتي تتحدث عن اعتماد صرف مرتبات شهر مايو 2026 بمبلغ إجمالي يصل إلى 12 مليون دولار كإعاشة شهرية، فتحت الباب واسعاً أمام موجة جديدة من التساؤلات والغضب الشعبي، ليس فقط بسبب الرقم الكبير في حد ذاته، بل بسبب توقيته أيضاً، إذ يأتي في ظل أزمة معيشية خانقة تضرب مختلف المحافظات، حيث يقف المواطن عاجزاً أمام الارتفاع الجنوني للأسعار، والانهيار المستمر للعملة، وانقطاع الكهرباء، وتدهور القطاع الصحي، وتراجع مستوى التعليم، وتعثر صرف المرتبات في كثير من المؤسسات. وفي خضم هذا المشهد القاتم، تبدو هذه المخصصات وكأنها تعبير صارخ عن سياسة إنفاق منفصلة عن الواقع، لا ترى في الأزمة سوى هامش بعيد لا يستحق إعادة النظر في بنود الصرف أو مراجعة الامتيازات.

الصدمة الحقيقية لا تكمن في وجود نفقات حكومية فحسب، فالدول بطبيعة الحال تنفق على مؤسساتها ومسؤوليها، لكن الفارق هنا أن الإنفاق يجري في بلد يكاد يدار بمنطق الإغاثة لا بمنطق الدولة المستقرة، بلد يعتمد بصورة كبيرة على الدعم الخارجي والمساعدات، فيما يُفترض أن تكون كل الموارد المتاحة موجهة نحو الأولويات الأكثر إلحاحاً: دفع المرتبات المتأخرة، دعم الكهرباء والمياه، إنقاذ المستشفيات، تحسين التعليم، وتخفيف معاناة الناس الذين أصبحوا يدفعون ثمن الفشل المالي والإداري كل يوم. ومن هنا، فإن استمرار صرف هذه المبالغ الضخمة لمسؤولين خارج البلاد لا يبدو مجرد بند مالي مثير للجدل، بل يتحول إلى عنوان واضح على أزمة حكم وإدارة وضمير سياسي.

هذه القضية تطرح سؤالاً مركزياً لا يمكن الهروب منه: ما معنى أن تُستنزف الموارد المحدودة في إعاشات ومرتبات خارجية، بينما الداخل يختنق؟ وما الرسالة التي تصل إلى الموظف الذي ينتظر راتبه، وإلى المريض الذي لا يجد دواء، وإلى الأسرة التي لا تستطيع توفير الحد الأدنى من احتياجاتها، حين يرى أن الملايين تُصرف شهرياً لمن هم خارج البلاد، بعيداً عن واقع المعاناة والانهيار؟ إن أخطر ما في هذه الوثائق أنها لا تكشف مجرد أرقام، بل تكشف فلسفة كاملة في إدارة المال العام، فلسفة تضع الامتيازات فوق الاحتياجات، والمخصصات فوق الخدمات، والإنفاق على النخبة فوق الإنفاق على المجتمع.

وفي ظل الانهيار المتسارع للاقتصاد، تصبح أي أموال تُهدر خارج مسار الأولويات الوطنية بمثابة طعنة إضافية في جسد المواطن المنهك. فالمشكلة لم تعد محصورة في الفساد بمعناه التقليدي، بل في غياب الإحساس بالمسؤولية السياسية والأخلاقية تجاه شعب يدفع وحده كلفة الفشل. المواطن الذي يعيش ساعات طويلة بلا كهرباء، ويشتري الماء بأسعار باهظة، ويطارد لقمة العيش في سوق يلتهم الدخل قبل أن يصل إلى اليد، لا يمكن إقناعه بأن صرف 12 مليون دولار شهرياً في الخارج أمر طبيعي أو قابل للتبرير. بل إن مثل هذه الأرقام، في هذا التوقيت تحديداً، تتحول إلى استفزاز مباشر للرأي العام، وتغذي حالة السخط المتصاعدة تجاه مؤسسات يفترض بها أن تكون أكثر قرباً من هموم الناس وأكثر حرصاً على حماية المال العام.

إن إعادة طرح ملف مرتبات الخارج بهذه الصورة تفرض الحاجة إلى مراجعة جذرية وشجاعة لكل بنود الصرف العام، بعيداً عن المجاملات السياسية والتسويات المغلقة. فليس من المنطقي أن تبقى أبواب الامتيازات مفتوحة على مصاريعها بينما أبواب المستشفيات تُغلق في وجه المرضى، وليس من المقبول أن تُدفع ملايين الدولارات شهرياً خارج البلاد في الوقت الذي تتحدث فيه السلطة نفسها عن عجز مالي وصعوبات اقتصادية وحاجة ماسة للدعم. وإذا كانت الحكومة جادة في الحديث عن الإصلاح ومكافحة الفساد وترشيد الإنفاق، فإن البداية الحقيقية يجب أن تكون من هنا: من تفكيك منظومة الامتيازات غير المبررة، وإخضاع مخصصات الخارج للمراجعة والتدقيق، ونشر تفاصيلها بشفافية كاملة أمام الرأي العام، ومحاسبة كل من ساهم في تحويل المال العام إلى باب إنفاق دائم لا يراعي حجم الكارثة التي يعيشها المواطن.

إن ما يزيد من خطورة هذه القضية هو أنها لا تمس الجانب المالي فقط، بل تضرب في العمق ما تبقى من ثقة بين الناس ومؤسسات الحكم. فكل وثيقة من هذا النوع لا تُقرأ بوصفها خبراً عابراً، بل بوصفها دليلاً جديداً على اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع، وبين حديث المسؤولين عن التقشف والإصلاح، وممارسات الإنفاق الفعلي على الأرض. وهذا التناقض هو ما يخلق بيئة خصبة للغضب والإحباط وفقدان الثقة، لأن الناس لا تحاكم السلطة على بياناتها وتصريحاتها، بل على أولوياتها الحقيقية كما تكشفها الأرقام والقرارات والوثائق.

إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي سلطة هو أن تصبح عاجزة عن إقناع شعبها بأن المال العام يُدار لمصلحته. وعندما تتحول الموازنة إلى مرآة للامتيازات بدلاً من أن تكون أداة للإنقاذ، فإن الأزمة لا تعود أزمة اقتصاد فقط، بل أزمة شرعية أداء وعدالة توزيع وإحساس بالمسؤولية. لذلك فإن ملف مرتبات الخارج لا ينبغي أن يُطوى كغيره من الملفات تحت ضغط الضجيج الإعلامي أو التبريرات الجاهزة، بل يجب أن يكون نقطة انطلاق لفتح نقاش واسع حول بنية الإنفاق العام، وأولويات السلطة، وحق المواطنين في معرفة أين تذهب أموالهم، ومن يستفيد منها، ولماذا يستمر هذا النزيف بينما تتعمق المأساة داخل الوطن.

وفي المحصلة، فإن الوثيقة الأخيرة لم تفعل سوى تعرية واقع يعرفه الناس جيداً، لكنها منحته هذه المرة رقماً واضحاً وصادماً: 12 مليون دولار شهرياً تخرج تحت بند الإعاشة والمرتبات، فيما الداخل يزداد جوعاً وفقراً وعتمة. وهذا الرقم وحده كفيل بإشعال موجة جديدة من الغضب، لأنه لا يمثل مجرد إنفاق مالي، بل يمثل عنواناً لفشل مزمن في فهم معنى الدولة، ومعنى المسؤولية، ومعنى أن يكون الشعب هو الأولوية لا الهامش. فالدول لا تُبنى بالامتيازات المفتوحة، ولا تُنقذ الأوطان بترف المسؤولين، بل تُبنى حين يُوجَّه كل ريال وكل دولار إلى المكان الذي يحتاجه المواطن، لا إلى المكان الذي يريده أصحاب النفوذ.

فيديو